إلى جانب العروض المسرحية التي ستقدّم ضمن احتفالية «مسرح المدينة»، هناك سلسلة من الامسيات التي تجمع أسماء بارزة في الموسيقى اللبنانية، ومعظمها ربطت بينها وبين المسرح علاقة وثيقة وحميمة رافقها طوال السنوات الماضية، كما كانت له يد في انطلاقاتها وتطور مسيرتها.

البداية ستكون في 14 تشرين الأول (الساعة العاشرة مساء) مع أمسية قصيرة (لنحو نصف ساعة) تقدّمها ريما خشيش. لهذا المسرح أهمية في حياة خشيش الفنية الشخصية. تتذكر الفنانة في حديث مع «الأخبار» أنّ الحفلة الأولى المنفردة التي قدمتها كانت هناك عام 1996. «كانت لي مشاركات فيه قبل ذلك، وغنيت فيه عندما افتتح اولاً. منحني الفرصة بأن أقدّم حفلة للمرة الاولى باسمي في بيروت. بعدئذٍ، باتت حفلاتي كلها تقام هناك. من جهة أخرى، الاتجاه الذي اتخذته مع موسيقيين من هولندا لاحقاً كان بفضل نضال الأشقر لأنّ المرة الاولى التي أتى فيها الثلاثي الى بيروت، كانوا يرغبون في التعرف الى شخص يغني موسيقى عربية كلاسيكية وهي من أخبرني عنهم. وما زلت أتعاون معهم حتى الآن. كانت نقطة تحوّل في حياتي الفنية.

يؤدي عبد الكريم الشعار أغنيات فيلمون وهبي والشيخ إمام
ثمّ لديّ الكثير من الذكريات في «مسرح المدينة» منذ أن كان في كليمنصو، حتى انتقل الى الحمرا. ذكرياتي في المسرح تعود الى افتتاحه. على صعيد آخر، لدينا نقص في المسارح في لبنان، وهذا المسرح أساسي وحيوي في بيروت التي تتمتع بسمعة عاصمة ثقافية في العالم العربي، وهو من المسارح القليلة المستمرة والمقاومة في المدينة. هو مهم لجميع الفنانين، وبالنسبة إليّ مشاركتي مهمة لأنّ المسرح جزء من مسيرتي». تستعد خشيش في نهاية الشهر الحالي لإصدار ألبوم جديد لها. لذا، فالحفلة لن تتعدّى نصف الساعة لأنها لن تقدّم فيها هذه المقطوعات الجديدة التي يُفترض أن تؤديها في نهاية الشهر على المسرح نفسه. في المقابل، ستكون وحدها على المسرح، من دون أي مرافقة آلية.
في اليوم الثاني من العروض، سيعتلي عبد الكريم الشعار المسرح في إطار حفلة بعنوان «أسطوانات من غير خشخشة». يروي الشعار بشيء من الفكاهة مصدر التسمية: «الاسطوانات القديمة كانت «تخشخش». إذا أخذنا على سبيل المثال تسجيلات سيد درويش الأولى، لا يمكن أن نفهم منها أي كلمة. عندما اتصلت بي نضال الأشقر من أجل احتفالية العشرين سنة، سألتني ما الاسم الذي قد نطلقه على الامسية واقترحت عليّ «فونوغراف». قلت لها إنّنا سنسميها «أسطوانات من غير خشخشة». الـ «الفونوغراف» كان «يمغط»، وكان الاصغاء إليه عذاباً. أما اليوم، فكل شيء مسهّل وملمّع، الا أننا نتمنى عودة الاسطوانات من غير خشخشة. الاسطوانات التي تصدر اليوم واضحة جداً وذات تقنية عالية، تشبه الوضع الذي نعيش فيه. نحن أشبه بالقردة التي تنقل عن بعضها». إضافة الى أغنيات سيد درويش، سيؤدي الشعار كذلك أغنيات لفيلمون وهبي والشيخ إمام وغيرهما. شيء مختلف عما اعتاد تقديمه أخيراً في «مترو المدينة». للمسرح أيضاً أهميته ومكانته في مسيرة الشعار الذي يؤكد: «نضال جهدت كثيراً في هذا المكان لكي تبقى واقفة وكي يبقى هناك ايقاع جميل مختلف عن الايقاعات التي نسمعها. كنا نتدرب على شيء جميل. منذ أن بدأنا العمل في «مسرح المدينة»، أنجزنا أموراً عدة. على سبيل المثال، مسرحية سعدالله ونوس «طقوس الاشارات والتحولات» كان لي يد فيها. «مسرح المدينة» له صداه في بيروت، في وقت كانت تغلق مسارح بيروت. من المهم جداً أن يستمر في العمل، علماً أنه مسرح مكلف، وخصوصاً في غياب دعم دولة ونقص المساعدات. هو أشبه بفسحة أمل للناس، يمنحهم الفرصة باللقاء. المسرح هو رئة بيروت الحرة ورئة لبنان».
أما في 19 من الشهر الجاري، فيستضيف المسرح سامي حواط في أمسية «الرحالة». يعتبر حواط نفسه عائداً الى المرجع والمنزل عندما يغني في هذا المسرح: «بالنسبة الي هو مرجع أو منزل، وصاحبة البيت هي نضال الأشقر. وأقول دائماً إنني أشد على أيدي كل المناضلات في هذا البلد. فهي ما زالت مصرة على أن يكون هناك ضوء مشع في بيروت من خلال المسرح، لأننا نعرف جميعاً أنهم لم يتركوا مسرحاً الا وأغلقوه. كما أنني جزء منه تاريخياً». سيقدّم حواط عملاً بعنوان «رحالة» هو موسيقى قريبة من التصوف. سيكون محاطاً على المسرح بثلاثة أشخاص: نضال أبو سمرة (ساكسوفون) ووفاء البيطار (قانون) وأحمد الخطيب (إيقاع). العمل سبق أن سجّله قبلاً، وليس فيه الكثير من الكلام. «أسميه العودة الى الذات، لأنه معبّر عن داخل الانسان. فقدنا روح الانسانية بشكل عام. ووصلت الى مكان شعرت فيه بالحاجة الى إنجاز شيء يذكر بالعودة الى الذات. هو عمل مهم جداً بالنسبة إلي ولن يُفهم الآن في رأيي. في ما بعد، قد نفهم هذا النوع من العمل الفني». ويضيف من جهة أخرى: «أنا دائماً متفائل بالخير، فإذا فقدنا التفاؤل نموت. ولا يمكن للمرء أن يكون متفائلاً الا إذا دخل الى نفسه وأخرج كل الأمور الجميلة فيها. والفن هو الطبيعة والحياة والخلق. ولدنا من الفن. كما أننا بحاجة الى بساطة العلاقات الطبيعية. العمل يعبّر عنها أيضاً».
شخصية موسيقية بارزة أخرى سيكون جمهور «مسرح المدينة» على موعد معها أيضاً ضمن احتفالات العيد العشرين. تحت عنوان «صوفيات» (21/10)، ستشارك الفنانة جاهدة وهبة في أمسية موسيقية تقدّم فيها مقطوعات صوفية، وتغني قصائد صوفية، بعضها من ألحانها وبعضها بألحان معروفة. كما ستتخلل العرض ابتهالات وأناشيد وترانيم.
جاهدة تغني قصائد الحلاج وابن الفارض ورابعة العدوية وجلال الدين الرومي
ومعظم القصائد للحلاج وابن الفارض ورابعة العدوية وجلال الدين الرومي. كما ستكون هناك قصيدة صوفية كتبتها أحلام مستغانمي من ألحان وهبة. يرافقها في الحفلة موسيقيون من أوروبا ومن لبنان، أبرزهم عازف البيانو اللبناني المقيم في فرنسا إيلي معلوف، وكذلك عازف الكمان الفرنسي من أصول مغربية مروان فقير، إضافة الى موسيقيين آخرين من لبنان من ضمنهم نقولا نخلة على العود. تعتبر وهبة نفسها ابنة «مسرح المدينة» وتتذكر: «أولى الحفلات التي قدّمتها كانت على خشبته في كليمنصو. وأول مسرحية أديت فيها أي «صخرة طانيوس»، كانت على خشبة هذا المسرح أيضاً. لذا هناك ذاكرة كبيرة جداً فيه. كل هذه اللحظات الابداعية الجميلة، أكانت في التمثيل أو الغناء، عشتها على خشبته. كلما وقفت مجدداً على هذا المسرح وأديّت، شعرت أنني أستعيد أنفاسي التي تركتها في أرجائه، سواء كان في هذا المسرح أو المسرح القديم، من معاملة نضال الأشقر كونها قامة ثقافية وفكرية كبيرة وتلقفها لما أقدمه، الى الجمهور النوعي والنخبوي المثقف الذي كان يرتاد هذا المسرح وما زال، وكذلك عائلة «مسرح المدينة» التي هي مستمرة. أشعر كأنني أدخل الى منزلي والمكان الذي يمكنني أن أتنفس فيه بشكل أفضل، وأبتعد فيه عن صخب المدينة وأذهب الى المكان الخصب فيّ والى منطقة الحلم. هذا ما يعنيه المسرح. و«المدينة» بالذات كان مؤثراً وفعالاً في الحياة الثقافية في لبنان. كان أشبه بدينامو وديمومة الحياة الثقافية. كان يعمل لاستمرارية هذه الحياة الثقافية. الاشقر بذاتها تستنهض الابداعات والمواهب الشابة، كما كانت تحتضنها. أعتبر أنها و«مسرح المدينة» احتضناني من أولى بدايات أعمالي، واحتضنا الأفكار الابداعية العصرية والقديمة. وعلى خشبة هذا المسرح، قُدمت أهم وأجمل الاعمال، كما استضاف قامات فكرية وابداعية كثيرة سواء في مجال الموسيقى أو الشعر أو المسرح. كما أُقيمت فيه تكريمات للمبدعين الكبار. ورغم كل شيء، ورغم الحياة الغوغائية السياسية والاجتماعية التي نعيشها، ما زال يثبت أنه قادر على ضبط إيقاع هذه المدينة من جديد وقادر على أن يبقي الحياة الثقافية نابضة، ويوقظ الحلم في مخيلة الشباب والمثقفين. وأنا سعيدة جداً كوني مشاركة في احتفالية عيد المسرح العشرين، كما أتأمل كلما تقدمت في العمر أن أرى هذا المسرح يكبر ويقدم آمالاً كبيرة».
فنانة أخرى ارتبط اسمها بتاريخ هذا المسرح، هي سمية بعبلكي التي ستكون ضيفة الاحتفالات أيضاً في أمسية تحت عنون «أغاني للحب» تُقام في 23 الحالي. منذ منتصف تسعينيات القرن المنصرم، كانت لبعلبكي محطات شبه سنوية في هذا المسرح، فنشأ رابط قوي بينها وبينه، حتى بات أحدهما يكمل الآخر. تقرّ بعلبكي: «إذا كنت أقيم حفلة، أول سؤال يُطرح عليّ هو هل ستكون في «مسرح المدينة»؟ هذا الرابط هو بالنسبة إليّ الاهم في مسيرتي. كما أنّ أهمية المسرح أيضاً تكمن في مكان تواجده، في كليمنصو بدءاً ثم الحمرا التي أعتبرها قلب بيروت. شكّل القلب الحقيقي في غياب المسارح الاخرى كالـ «بيكاديللي» و«مسرح بيروت» وغيرهما من المسارح التي أغلقت أبوابها. هو الأمل الباقي. وأتصور أنه في حال لم يعد موجوداً لسبب من الأسباب، فالدور التاريخي لهذه المدينة سيكون تقربياً في خطر». تعدّ بعلبكي لأمسيتها مجموعة من الاغنيات المنوعة ذات العلاقة بالفترة الطويلة التي غنّت خلالها في هذا المسرح. ولكن ستكون بالطبع في إطار الطرب واللون الذي عُرفت به.




زكي ناصيف حاضر أيضاً

بقيادة المايسترو جورج حرو، ستختم «فرقة زكي ناصيف للموسيقى العربية» فعاليات احتفالات العيد العشرين لـ «مسرح المدينة» (26/10). مشاركة هذه الفرقة التي ما زالت فتية الى جانب أسماء لامعة في مجالات الفن والثقافة المختلفة أشبه باعتراف كبير بها. اختيارها لتكون ضمن هذه الفعاليات سيشكل الدعم والدفع للفرقة التي تشكلت قبل نحو عام، وتضمّ في عدادها طلاباً من الجامعة الاميركية في بيروت. أهدافها تسليط الضوء على التراث اللبناني وفنانيه أمثال زكي ناصيف، وروميو لحود، وصباح والرحابنة وغيرهم. التركيز هذا العام كان على أعمال زكي ناصيف كونها مئوية مولده، وسيكون ختامها في «مسرح المدينة». ولكن لاحقاً ستكون للفرقة استعادات وتكريمات لفنانين لبنانيين آخرين.
انسيرت1:

انسيرت2: