كم مرّة جلسنا فوق المقاعد المخمليّة. كم مرّة اختلينا بأنفسنا في عتمة هذه الصالة العريقة. كم مرّة صفّقنا وهتفنا وطيّبنا ورفعنا قبضاتنا في هذا الفضاء. كم التقطنا أنفاسنا، أو تعالت دقّات قلوبنا. كم لفّنا الصمت، هذا الصمت الثقيل، الدسم، المصنوع من الخشوع والإصغاء التام والانفعالات المضبوطة بعناية، كما أوّل من أمس في مسرحيّة «العنف» للثنائي التونسي الفاضل الجعايبي وجليلة بكّار. الصمت الذي ينصهر فيه الأفراد على اختلافهم، ويتوحّد المشاهدون على تناقضاتهم ـــ لفترة عرض ـــ في كتلة واحدة نسمّيها «الجماعة»، أو «الجمهور»… أيْ أهل الحاضرة. كيف نحصي اللحظات الاستثنائيّة، الآهات، الدموع المرّة، الضحكات الهستيريّة، صرخات الحماسة، همدرات الاستهجان، هدير الغضب…؟ كيف نستعيد كل الحكايات التي «عشناها» في هذا المسرح، الشخصيّات التي تماهينا معها، الحالات التي تقمّصناها؟ كل هذه اللوحات، المشاهد، الصور، الأصوات، الكلمات، النغمات، الظلال، الوجوه، الأسماء… التي عبرت من هنا. إن أرواحاً صديقة تسكن المكان، تحوم في كواليسه. أطياف لم تبارح وجداننا. أشباح هربت من الكتب والسكريبتات والتجأت إلى «مسرح المدينة» لتعيش هنا حياتها الأبديّة العابرة للعصور والثقافات والعقائد.

كل ما سبق يشكّل السجلّ الذهبي، غير المنظور، لمسرح بدأ حلماً مجنوناً، قفزة في الفراغ، واستمر مغامرة، فعل مقاومة. من البدايات السعيدة في «كليمنصو» إلى سنوات النضج الصعبة في «السارولا». قاتلت الفنّانة نضال الأشقر بسيفها الكرتون، وفعلت المستحيل لإبقاء هذا الفضاء النابض في قلب بيروت. جمهوريّة فاضلة تجعل الخيال والفكر والذوق في صميم الحياة العامة ومشاغل الناس. «مسرح المدينة» الذي يحتفل بعقده الثاني، من خلال برنامج حافل على امتداد أسبوعين، ينطلق مساء الجمعة 14 أكتوبر، هو ـــ إلى جانب فضاءات أخرى اندثرت أو تقاوم الاندثار ـــ السجل الحيّ للمدينة: كل المعارك والقضايا والسجالات والأحداث الكبرى تركت بصماتها فوق هذه الخشبة، وبين هذه الجدران. هنا قال المسرحي السوري سعد الله ونّوس كلمته الأخيرة ومضى، قبل أن تنفتح على بلاده نيران جهنّم. هنا جلس المفكّر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد مجاهراً بالحق في الاجتهاد والتفكير والتأويل. هنا رثى أدونيس بيروت… ولو شئنا أن نوثّق كل اللحظات الاستثنائيّة التي احتضنها «مسرح المدينة»، وساهمت في صنع فرادة بيروت، والتأكيد على دورها الطليعي، لاحتجنا إلى مجلّدات. من هنا أهميّة الاحتفال، وطقوسيته، وعلاقته الوطيدة بذكرياتنا الفرديّة الحميمة، وبالذاكرة الجماعيّة لبيروت ـــ مختبر الحداثة العربيّة ـــ العاصمة التي لم تتعب من المشاكسة، وسط الصخب والفوضى، وعلى حافة البركان.
لقد دعت نضال الأشقر، سيّدة المكان، لفيفاً من المبدعين، من الروّاد والجيل الوسيط، إلى إحياء الاحتفال. ولبّوا النداء. وهي تدعونا كجمهور إلى تجديد العهد، والتوقيع على مانيفستو الأمل الذي أطلقه ونّوس في الـ1996. «مهرجان المدينة» سيكون بمثابة استفتاء ضدّ التصحّر الثقافي الذي يهدّد بيروت. بعدما أقفل «مسرح بيروت»، ثم «بابل»… وما زال «التياترو الكبير»، خارج الزمن، وخارج المدينة، في «غيتو سوليدير»، ينتظر تحويله إلى ملهى، منذ انهيار أوهام الحريريّة، واقتصاد الكاباريه. أيُّ بيروت تلك المهدّدة بأن تصبح مدينةً بلا مسرح؟!