لعل الإحتفالية التي يحييها «مسرح المدينة» بعيده العشرين تبدو خارجة عن السياق المألوف لمدينة كبيروت تشهد مسارحها انحساراً كل يوم آخرها «تياترو بيروت» بمصيره المعلّق، و«مسرح بابل». وفي الوقت نفسه، تبدو استعادة للإرث المسرحي اللبناني، وحركاته الغنية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لكن ألم يكن «مسرح المدينة» سوى غريب آخر بسبب الشكوك التي كانت تبعثها الأحداث السياسية باستمرار، وخصوصاً تلك التي ارتبطت بأبرز محطاته؟
لا يمكن اعتباره إلا امتداداً لمشاريعها المسرحية الطليعية التي جاءت كفعل سياسي

بعدما هربت حوالي 11 سنة من الحرب، أتت نضال الأشقر من عمان إلى بيروت عام 1982، مثقلة بالأحلام الكبرى لافتتاح مسرح في رأس بيروت. لكن اشتعال الأحداث السياسية والإجتياح الإسرائيلي، قذف بالمشروع أكثر من عقد كامل. يمكننا تخيل فترة التسعينيات، وصوت انهيار المباني في وسط العاصمة، وضبابية مستقبل بيروت. كم كانت تلك الفترة ملائمة لإطلاق مشروع مماثل؟ نسأل نضال الأشقر، التي تملك إجابة بديهية وجازمة تتلاقى مع مفهومها للمسرح كفسحة جامعة، حيث تفشل الفضاءات المدينية الأخرى في عز الأحداث السياسية. كان المسرح يحتاج لدعم مادي. برفقة المسرحي الراحل وأحد أعضاء مجلس أمناء «مسرح المدينة» أسامة العارف، بدأت الأشقر بالبحث عن تمويل من المصارف لترميم تلك الصالة الخالية في كليمنصو، التي ستصبح بعد عام «مسرح المدينة».
بتمويل رئيس الوزراء آنذاك رفيق الحريري الذي لم تكن تملك شكوكاً حول مصادر تمويله ودوافعها، افتتح المسرح عام 1994. لكن الشراكة لم تدم طويلاً مع المستقبل، إذ فسخت بعد عام واحد على تأسيسه. لم تكن البدايات مثالية كما قد تبدو من الخارج. مجدداً، وقع المسرح ضحية سوق الإستثمارات الخاصة في العاصمة، إذ بيع المبنى حيث كان «مسرح المدينة» قائما عام 2004. في الأمسية الوداعية من إحدى ليالي تلك السنة، رفعت الأشقر يدها «إلى العدم» وفق تعبيرها، ووعدت الحاضرين بافتتاح المسرح هناك، مشيرة ناحية شارع الحمرا. فعلياً، لم تكن المرأة تعرف المكان الذي ستنقل مشروعها إليه. وكما كان مصير المسرح مجهولاً... كانت مناخات بيروت قلقة. الحفريات تنخر شارع الحمرا، والعتمة تلف المكان. «ربما كانوا يريدون قتل الشارع» الذي تراه الأشقر بعين أخرى. لعل هذه العين المحمّلة بذكرياتها عن تاريخ بيروت هي التي أنقذ المسرح. على بعد أمتار من «سينما السارولا» التي اختارتها مكانا جديداً لـ «مسرح المدينة» الثاني، يقبع الـ «هورس شو». صار شارع الحمرا بأكمله ذات يوم من 1968، مسرحاً بديلاً عن «تياترو بيروت». كانت «مجدلون» هي الفرصة لاختبار أفق المدينة المسرحي. بعدما هجم عناصر الأمن على التياترو لمنع تقديم المسرحية، انتقل ممثلو «محترف بيروت للمسرح» روجيه عساف ونضال الأشقر وآخرون إلى شارع الحمرا، ثم إلى «الهورس شو»، حيث واصلوا تمثيل المشاهد قبل أن تسدل ستارتها في «مخفر حبيش». بعد يومين على اقفال كليمنصو، راحت الأشقر تبحث عن فضاء بديل في الحمرا. هناك عثرت على حوالي 14 سينما مهجورة، ليقع اختيارها أخيراً على «سينما سارولا» التي شيِّدت في نهاية الستينيات. أعجبها فضاؤها وقررت تحويلها إلى المسرح الذي لم يكتب له أن يفتتح في موعده. إغتيل رفيق الحريري، فكان عليهم أن ينتظروا أربعين يوماً قبل إعادة افتتاح المسرح الذي يحتفل اليوم بعشرينيته الأولى. تتذكر الأشقر تلك الفترة جيداً. لم يستطع أحد أن يرى سوى الظلام وبعض القطط الداشرة في شارع الحمرا. لكن هناك «أمل» في بيروت وفي الحمرا، رغم كل شيء. فيما جلست في ليلة الإفتتاح وسط أعمال الترميم مع الصحافيين، بدأ الناس يأتون ليمتلئ المسرح، خلافاً للمتوقع. تتوزع مساحة هذا الفضاء على مكتبين، وصالتين لورش العمل «صالة جون ليتلوود»، و«صالة سعد الله ونوس» إلى جانب غاليري تحمل اسم الفنانة العراقية نهى الراضي، ومسرح كبير وآخر صغير. تحول هذا الأخير إلى «مترو المدينة» الذي «يعد إمتداداً للمسرح ورؤيته» كما تقول الأشقر، إذ انه مليء بالنبض الشاب رغم اختلاف البرمجة والمواعيد. استطاع المسرح أن يوفّق بين هذه الجوانب، ويحضر كل الوجوه. مع مجموعة أعضاء ومجلس أمناء بإدارة الأشقر مؤلف من (سارة سالم، منى كنيعو، سهى بستاني، جيرار خاتشاريان، عارف العارف، ناجي صوراتي، ماريا هبري، عمر خوري، خالد نعيم، رنا حديد، وهدى بارودي)، تدير الأشقر مسرحها الآن. رغم الإختلافات بينها، فإنه لا يمكن اعتبار «مسرح المدينة» إلا امتداداً لمشاريعها المسرحية الطليعية التي جاءت كفعل سياسي، كما في «محترف بيروت للمسرح» مع روجيه عساف وآخرين، حيث توصلوا إلى صيغة عمل جماعية ومتمردة، بين 1968 و1972.

يحتفظ بمساحة للشباب والطلاب من خلال «مترو المدينة» ومهرجان «مشكال»
منذ «طبعة خاصة» (1968) التي انتقدت مظاهر متعددة في المدينة، من رواد مقهى «الهورس شو» إلى التلفزيون والطبقية، أظهر المحترف تجربة جديدة في الكتابة المسرحية. ثم جاءت «المفتش» في العام نفسه، و«مجدلون» (1969) أهم أعمال المسرح السياسي في لبنان، و«كارت بلانش» (1970) التي صوّرت بيروت على شكل سوق للبغاء، سوق تجاري للبيع والشراء موجهة صفعات إلى النظام الإقتصادي اللبناني وفق رؤية الكاتب عصام محفوظ. بعد توقف «محترف بيروت للمسرح»، خاضت الأشقر مع ممثلين من كل الدول العربية تحت عنوان «فرقة الممثلين العرب» في عمان، أنجزوا عملاً واحداً هو «الف حكاية وحكاية في سوق عكاظ» (1986). على هامش خسارات المدينة المتتالية، بنت الأشقر في المقابل مدينة أخرى مرادفة لتصورها عما يجب أن تكون عليه بيروت أو المدينة كفسحة للمشاركة. هكذا احتضن الفضاء إنجازات لم تتوقف عند خشبة المسرح، كاستضافته الدورات الأولى من «أشغال داخلية»، ومهرجان «بايبود» (مهرجان الرقص المعاصر) والفنون التجريبية كـ «مهرجان ارتجال الموسيقي» وأسابيع سينمائية لـ «متروبوليس»، و«نادي لكل الناس» وأخرى مستقلة، وفنوناً موسيقية وراقصة وشعرية ومسرحية وتشكيلية عالمية ومحلية، إلى جانب اللقاءات السياسية. خلال حرب تموز عام 2006، وفيما كان لبنان يستقبل الهاربين من الحرب الإسرائيلية في الجنوب، فتح المسرح أبوابه لهم. مع بعض الجمعيات الأهلية، دعا الأطفال النازحين إلى ورش عمل في المسرح والرسم وفنون الأداء والموسيقى. كانت طوال تلك المدة تحرص في اختيار العروض على النوعية، المفقودة في الحياة اليومية والحياة السياسية، والإقتصادية، مع التأكيد على دعم الشباب والتجارب الجديدة. هكذا خصص المسرح قبل اعوام مهرجان «مشكال» (ملتقى الشباب في مسرح المدينة) الذي أطلقه ناجي صوراتي سنة 2012. يسعى المهرجان إلى دعم التجارب المسرحية والغنائية والسينمائية والتشكيلية الشابة، مؤمّناً منصة للطلاب المتخرجين وأعمالهم. خلال عشرين عاماً، استقطب أكثر من مليون و300 ألف مشاهد، وحوالي 70 عرضاً من أستراليا وأميركا، وأميركا الجنوبية واليابان وبريطانيا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا، واليونان، وهولندا والسويد إلى جانب الدول العربية، من مصر إلى المغرب والعراق وفلسطين والأردن وسوريا وتونس والجزائر. لقد كان ممراً لتجارب مسرحيين عرب ولبنانيين، من «حكي نسوان» لينا خوري، إلى «تصطفل ميريل ستريب» التي أخرجتها الأشقر، و«حياة المرأة السرية» لشريف عبد النور، و«لكم تمنّت نانسي لو أنّ ما حدث ليس سوى كذبة نيسان» لربيع مروة، و«جرصة» لرفيق علي أحمد، و«حيال بو طير» لسليمان البسام، وموسيقيين مثل زياد الرحباني وشربل روحانا وبشار زرقان وزاد ملتقى ومصطفى سعيد وسيمون شاهين وغيرهم. كذلك، كان المسرح قبلة لكل الفنانين من كل أنحاء العالم مثل السينمائي المصري يوسف شاهين، الذي كرمه المسرح عام 2009، وسعدالله ونوس الذي استطاع أن يلقي كلمة في يوم المسرح العالمي، قبل عام من وفاته في فضاء كليمنصو. تحرص الأشقر على الحفاظ على الطابع الجماعي للمسرح، تريده «مسرحاً لكل الناس». لهذا عمدت إلى خفض أسعار بطاقات العروض الإحتفالية، وإلى دعوة فنانين من مختلف التجارب والأجيال لتقديم عروضهم. وإذ استطاع المسرح دعم معظم العروض الفنية المشاركة، فإن الأشقر تسعى «رغم ما تشهده المنطقة» إلى الوصول لمرحلة دعم عروض الشباب وإنتاجها في المستقبل، في موزاة عملها على إطلاق «فرقة نضال الأشقر المسرحية» كمحترف للأجيال المقبلة.

* «مسرح المدينة: احتفالية 20 سنة» من 14 حتى 26 تشرين الأول (أكتوبر) ـــ «مسرح المدينة» ـ للاستعلام: 01/753010 ــــ almadinatheatre.com