خلال ندوة «الإسلام وكارهوه في أوروبا» التي نظمها «منتدى الدين والحريات» قبل أيام في «غاردن سيتي» في القاهرة، أشار الكاتب الفرنسي آلان غريش رئيس تحرير موقع Orient XXI إلى أنّ «وجود الإخوان في المعارضة لمدة خمسين عاماً وهم يرفعون خلالها شعار «الإسلام هو الحل»، وما شهدناه في تونس أو مصر بعد أشهر من وصول الإخوان إلى السلطة، أمرٌ أثبت فشلهم. التغيير الذي طال مفهوم الإسلام منذ السبعينيات، يمكن أن نصفه بوهابية الإسلام، حين بدأت تهيمن فكرة محافظة جداً سواء في الحياة اليومية للناس أو ما يتعلق بدور المرأة. وأعطي هنا مثالاً أحبه كثيراً: في عام 1952، نزلت المرأة المصرية إلى الشارع مطالبة بحق التصويت. ونحن في فرنسا الدولة المتقدمة كثيراً، أعطينا المرأة الحق في التصويت عام 1945 .عقب هذه المظاهرات، أصدر شيخ الأزهر حينها فتوى بأن هذا ضد الإسلام».

ولفت غريش إلى خطاب السيد حسن نصر الله والصراع بين «حزب الله» وإسرائيل: «أتذكر خطاب حسن نصر الله بعد حرب 2006 حين قال الحقيقة: نحن تيار إسلامي، لكننا اليوم نحن اسم المقاومة ضد إسرائيل وضد الولايات المتحدة، ويمكن أن يتغير الاسم غداً. كان غريباً جداً أن يصدر هذا الكلام عن قائد حركة إسلامية دينية. حسن نصرالله كان عنده حق. أظن أنه من الواضح أن تطوّر التنظيمات الإسلامية ضد الغرب، جاء نتيجة وجود هيمنة غربية على الشرق الأوسط لم تنته بانتهاء الحرب الباردة. المشروع الغربي ما زال مسيطراً وموجوداً في المنطقة عبر إسرائيل وعبر التدخلات العسكرية. الفكرة السائدة في الغرب هي وجود خطر إسلامي، أدخلنا مرحلة حرب عالمية ثالثة، بخاصة أنّ هناك خطاباً من المثقفين مؤداه أنه كان هناك صراع دولي ضد الفاشية والنازية، والآن هناك صراع دولي ضد الإسلام.

تغيير مفهوم العلمانية في أوروبا حتى يُستخدم ضد المسلمين
كان هناك رد من إدوارد سعيد على هذا الخطاب يقول فيه: الخطر الفاشي أحيل إلى الدولة الألمانية النازية، وعندما كنا نتحدث عن الخطر الشيوعي، كان الاتحاد السوفياتي والصين، بينما حين نتحدث عن خطر إسلامي، لا توجد دولة إسلامية قوية اليوم. حين نتتبع الحروب التي يخوضها الغرب ضد أي دولة عربية أو إسلامية، نراه ينجح فيها. على الأقل، ينجح في المرحلة الأولى بسبب عدم وجود جيوش كما شهدنا في حرب العراق. أظن أيضاً أن فكرة وجود خطر حقيقي بمعنى حرب عالمية، فكرة خاطئة. ومن الواضح أنّ هناك خطاباً في أوروبا يروّج للحد من الحريات بحجة الحرب ضد هذه المنظمات، وهو أشبه بذاك الخطاب السابق ضد الشيوعية والاتحاد السوفياتي. وحتى نفهم هذا، يجب أن نعرف أنّ المسلمين أقلية صغيرة في أوروبا، وإن كان عددهم الأكبر في فرنسا حيث يمثلون 8% من المجتمع الفرنسي. ثانياً عندما نتحدث عن المسلمين في أوروبا، لا يمكن لأحد تحديد من هو المقصود بالمسلم. هل هو مسلم لأن اسمه محمد أو فاطمة؟ حتى لو اسمك محمد أو فاطمة، فقد لا يكون لديك أي علاقة مع الدين، بالإضافة إلى أنّ المسلمين في أوروبا كلمة جديدة. إذا أخذنا فرنسا كمثال في الخمسينيات والستينيات، كنا نتحدث عن العرب والجزائريين، ولم يكن هناك من يتحدث عن الإسلام. فكرة أن هناك مسلمين موحدين في فرنسا أو أوروبا، كلام لا وزن له. بعضهم أصله من الجزائر أو المغرب وتونس ولهم علاقات قوية، بينما بعضهم الآخر من فرنسا وهناك تناقضات في ما بينهم. مثلاً خذوا الصراع بين الجزائر والمغرب في ما يخص المساجد».
وأوضح غريش أنّ «الوضع مختلف في الدول العربية عن فرنسا في ما يخص علاقة الدين بالدولة. وبداية، فإن علاقة الدين بالدولة مختلفة من دولة أوروبية إلى أخرى. في إنكلترا، الملكة هي رئيسة الكنيسة، بينما هذا مستحيل في فرنسا. وهو ما يحيلنا إلى الحديث عن استحالة وجود فهم موحّد للعلمانية في أوروبا. بالطبع، هناك دولة مدنية بشكل عام مع وجود اختلافات كبيرة. في بلجيكا مثلاً، تدفع الدولة رواتب لرجال الكنيسة. وفي ألمانيا، تدفع الدولة ضرائب للكنيسة، وهذا مستحيل في البلدان الأخرى. المشكلة أنّ جزءاً كبيراً من المجتمع والقوى السياسية الأوروبية غيّرا مفهوم العلمانية حتى يُستخدم ضد المسلمين. بدأت يومياً حملة، خصوصاً ضد المرأة المسلمة. وبمجرد ظهور امرأة بالحجاب، يمكن مهاجمتها حتى من بين من يقدمون أنفسهم على أنهم يدافعون عن المساواة بين الرجل والمرأة. أيضاً، هناك أجيال من الشباب المسلمين الذين يرفضون العلمانية، وظهرت مشكلة جديدة مع الإرهاب تتضح في الشباب الذين يذهبون للجهاد أولاً في سوريا، وبعدها ذهبوا لتنفيذ عمليات إرهابية في الغرب. كلنا نعلم ما حدث في 14 تموز (يوليو) في مدينة نييس عندما استقل شاب شاحنة ودهس بها 80 شخصاً. في الأسابيع التي سبقت هذه الحادثة، لم يكن لهذا الشاب أي علاقة مع الإسلام. كان يشرب الخمر ويذهب مع الفتيات والرجال أيضاً. لا يمكننا القول إنّه ارتكب جريمته لأسباب دينية».
في نهاية حديثه، أشار غريش إلى وجود عنصرية داخل المجتمع الفرنسي والمجتمعات الأوروبية خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات، موضحاً: «كان هناك شيء مهم أنّه لم تكن هناك إمكانية لكونك يسارياً وفي الوقت عينه عنصرياً. أما اليوم، فمن الواضح أن أغلبية اليسار يعاني الإسلاموفوبيا، بينما يقولون هذه ليست عنصرية إنما نحن ضد الدين الإسلامي. هذا الخطاب يطرح على الشباب الإسلامي حتى يفكر أنه ليس جزءاً من هذا المجتمع. نحن الآن أمام خيار ليس في أوروبا وحدها إنما في العالم كله، هو أن المستقبل هو صراع بين الحضارات، ويجب أن يكون هناك صراع بين الغرب والإسلام، وواضح أنّ جزءاً من قيام تنظيم «داعش» هو التدخل الأوروبي، فـ «القاعدة» لم تكن موجودة في العراق عام 2003».