قبل أيام، قرأت خبراً عن انسحاب عازفين سوريين اثنين (الأخبار 28/9/2016) من حفلة كان يُفترض أن تقام برعاية وزارة الخارجية الألمانية يوم 29 أيلول (سبتمبر)، تحت عنوان «رؤية 2020، سياسة ثقافيّة تتخطّى الحدود، مقاربة عربيّة ــ أوروبيّة» (الأخبار 27/9/2016). الأخير جزء من مهرجان يقام بمشاركة واسعة من بلدان عدّة، والمناسبة هو وجود هذا الكم الهائل من اللاجئين السوريين في ألمانيا من بينهم من يعمل في مجال الثقافة، فتكون مناسبة لحوار الحضارات. العازفان، وهما روان الكردي وزوجها أثيل حمدان، قد انسحبا من الحفلة لأن شريكين «اسرائيليين» كانا سيعزفان معهما، وقد عرفا أخيراً أنهما كذلك وليس كما قيل لهما، أو كما فهما (لا فرق) أنهما أميركي وألماني!

تذكرت هنا أنني وأصدقاء لي سوريين آخرين قد تلقينا دعوة للمشاركة في معرض تشكيلي في برلين. ثم علمتُ أن هناك حدثا آخر يجري بالتزامن والتنسيق معه ويجمع صحافيين وكتاباً ومخرجين ومنتجين وموسيقيين سوريين مع المهتمين في مجالاتهم من الألمان، أفراداً ومؤسسات، ويهدف إلى التعريف بهم وفتح آفاق لهم في البلد «الجديد». الحدثان برعاية رسمية واحدة، وعنوانهما هو «منفى».
بنية طيبة تحمسنا وكان لنا موعد مع السيدة المنظمة في مقهى برليني، ذهبت إليه مع كاتبة سورية شابة لنتحدث عن المشروع، ولنفاجأ أن بين أسماء السوريين، ومنهم من هو معروف في مجاله، اسماً غريباً لموسيقي قد انزلق بين هذه الأسماء. قالت لنا إنه فلان من «اسرائيل» وهو من مجموعة عازفي الفرقة التي ألفها الموسيقي «الاسرائيلي» فلان مع المفكر الفلسطيني إدوار سعيد وفيها موسيقيون فلسطينيون و«اسرائيليون»، وقد عزفوا وأنشدوا للسلام. سألنا: هل يعرفون هؤلاء جنسيته؟ وهل قبلوا بالمشاركة؟ وكانت الإجابات شبه أكيدة من معرفتهم بهذا وموافقتهم! الكل بالغ راشد كما يقال، وليفعل كل ما يريد، قلنا في سرنا متأسفين.
قالت الصديقة للسيدة الألمانية: أنا اعتذر عن المشاركة إن كان هناك اسرائيلي يشارك معنا. كنتُ قبل ذلك أسألها حول كيفية تقديمنا، كما أناقشها في أنني لا أريد أن «يشحدوا» علينا. فنحن نقدر لهم ما يفعلونه كألمان لأجل اللاجئين من أبناء بلدنا كما نقدر لهفتهم لمساعدة الفنانين والمثقفين ومن هم في حكمهم، كي يجدوا فرصة العمل المناسبة أو التعريف بهم لكن هذا غير مقبول بالنسبة إلينا.
سألت السيدة باستغراب: إذن أنتما لستما مع السلام؟!

■ ■ ■


أي سلام سيدتي؟ لننس فلسطين إن أردنا، أليست الجولان أرضاً سوريةً ونحن سوريان؟ لا أعرف بالضبط لماذا من بين كل جنسيات هذا الكوكب يقحمون شخصاً من دولة يعرفون جيداً حجم العداء معها؟ ألا يوجد في كل ألمانيا عازف يستطيعون أن يأتوا به للمشاركة أم أن هناك غاية في نفس «ياكوب».
اتهمتنا السيدة بعدم الانفتاح وتأسفت لذلك، لكن ولله الحمد لم تتهمنا بمعاداة السامية، الجرم الكبير، فأكبرنا هذا. وكي نستبق الأمور نقول، وهذا معروف، إن كل من يسكن الغرب يتعامل مع أناس يدينون باليهودية، يتقاطع معهم في العمل أو الدراسة أو في السكن، ولا أعتقد أن هناك عدائية تلقائية معهم بشكل عام، بل العلاقات تتحدد معهم، كما مع غيرهم، بناءً على المعاملة والاحترام المتبادل... وبالتالي، فمشكلتنا ليست معه كيهودي بل مع الفكرة بحد ذاتها.
لا أعرف ماذا حدث في النهاية، لم أعد أتابع أمر هذا الـ «منفى».

■ ■ ■


أصدقائي، ممن يعمل في مجال الثقافة، الفرص التي نحصل عليها في الغرب عن طريق مثل هذه، لنقل، المحاباة، نتائجها بل مكاسبها مضمونة على الصعيد الشخصي، لكن، للعلم، ثمنها كبير جداً، وقد دفعه قبلنا كثيرون ويدفعون وسيدفعون... لن نتاجر بمال لم نتعب بجنيه. لسنا عدائيين ولا عنصريين ولا دعاة حرب، لكن ما يقصده الغرب من هذه اللقاءات هو تمييع لكل المواقف التي دفع ثمنها أسلافنا... ولا نعير لمواقف السياسيين، قديماً وحديثاً، أي اهتمام هنا، فأنتم أهم من جميع هؤلاء.
لهذه اللقاءات ثمرة أكيدة ويحييها الجميع إن أردتم من خلالها أن تعلنوا على الملأ، مع الفنانين أو المثقفين «الإسرائيليين»، أن تعود الأراضي السورية (على الأقل) المحتلة من قبل دولتهم لأصحابها الحقيقيين وإن لم يسمع لنا أحد.
لا نريد أن نلقيهم في البحر، لكن لا تساعدوهم في أن يلقوا بكرامتنا في البحر.
* تشكيلي سوري مقيم في ألمانيا