لا تعدم قناة «الجزيرة» وسيلة للحديث عن الأزمة السورية. بات الموضوع بالنسبة إلى القناة القطرية مسألة حياة أو موت. ولا يأتي برنامج/ تطبيق #hacked إلا استكمالاً لتلك الحرب في تناول الأحداث السورية. البرنامج/ اللعبة/ التطبيق عبارةٌ عن وسيلةٍ جديدة لإغراق المشاهدين في الخفايا السورية، تقدّمه وتصنعه قناة «الجزيرة» الإنكليزية عبر مقدّمتها جوليانا روفوس. الاسم مأخوذٌ بالطبع من فيلمٍ وثائقي كانت روفوس قد قدّمته العام الفائت (2015). منذ ذلك الحين، دأبت على متابعة الأخبار المرتبطة به عبر تقديم حلقةٍ أسبوعيةٍ عن الموضوع.
تحوي اللعبة معلومات وخرائط وفيديوهات حقيقية من الداخل السوري


أتى موضوع فيلم Hacked متناولاً كيفية تأثير الإنترنت بالأحداث في سوريا، وكيف أنَّ الاختراقات (Hacking) قد تغيّر شكل المعركة وحتى شكل النتائج. كان الفيلم في السابق قد أوصل رسائل عدة إلى العالم من خلال المقابلات التي أجريت مع ناشطين، وهاكرز (قراصنة ومخترقو أنظمة وبرامج) عملوا في الأزمة السورية. وبطبيعة الأحوال، وعلى عادة «الجزيرة» (سواء الإنكليزية أو العربية)، يُدخَل خبراء ومعلّقين على الأحداث، ولو كانوا لا يعرفون الكثير عن الموضوع المراد تناوله. المهم أن يعطوا رأيهم ضد النظام السوري، المقصود «تشريحه» عبر هذه البرامج. أما هذه المرّة، فيأتي البرنامج الذي يحمل التسمية ذاتها مختلفاً بعض الشيء. هو عبارة عن صفحة (إن كنت تستخدم كمبيوتر منزل) أو تطبيقاً (إن كنت تستخدم هاتفاً خلوياً) تسجّل فيها، وتضع اسمك وكلمة سرّ مناسبةً لك، ثم تدخل ذلك العالم الخفي. يشبه التطبيق لعبةً إلكترونية تأتي اختياراتك لتوصلك إلى المكان المقصود أو توقفك عند حدٍّ معين. في كل اختيار، هناك تفصيلٌ جديد من الأزمة السورية يتكشّف أمامك. هذا النوع من الألعاب/ التطبيقات استخدمه الأميركيون سابقاً في ألعابٍ أكثر تعقيداً ـــ وبالتأكيد أكثر كلفةً ــــ مثلCall of Duty حين تناولوا عدداً من الحروب الأفريقية (كمالي والصومال وأوغندا) أو حتى العربية، وتحديداً حروب الخليج والعراق (وإن لم يسمّوها بالاسم، ولكن يمكن تبيان ذلك من الإيحاء وطبيعة الرسوم والأسماء). تهدف هذه الألعاب إلى خلق نوعٍ من «التعاطف» مع هؤلاء الأبطال الذين يخوضون معارك تجاه «أشرارٍ» ديكتاتوريين قساةٍ لا يراعون أي حرمةٍ، ولا يسيرون تبعاً لأي منطق. هنا ينقسم العالم إلى قسمين: أخيارٌ وأشرار، أبطالٌ وأوغاد، وعليك أنت كمشاهد/ مشارك أن تختار الجهة التي تريد أن تكون عليها: هل أنت مع قتلة الأطفال (الجملة الشهيرة لـ«الجزيرة» التي تستخدمها لوصف النظام السوري والجيش السوري) أم أنت مع «الهاكرز» الأبطال الطيبين الذين جلّ اهتمامهم حماية المدنيين والأبرياء من وحشية وقتل النظام؟
تمتاز اللعبة بتقنيات عاليةٍ ومحترفة (لا نحكي هنا بالتأكيد عن غرافيكس خارقة، بل نتحدث عن أسلوب لعب محترف Playability)، إذ تحقّقت هذه التقنيات بالاستناد إلى خبرات صحافيي «الجزيرة» ومحققيها. مثلاً، يمرّ اللاعب خلال الأيام الخمسة (مدة اللعبة المفترضة) في تجارب مرّ بها سابقاً هؤلاء الصحافيون، وتمرّ أمامه تجارب وخبرات مثل: هل يدفع مقابل المعلومات التي حصل عليها من مقرصن مثلاً؟ أو هل المعلومات التي أعطاه إياها مصدره حقيقية؟ وهل يمكن التيقّن منها؟ أكثر من هذا: هل أصبح جهازه بعد حصوله على المعلومات مقرصناً ومخترقاً من قبل الهاكرز الأعداء؟ يعطي البرنامج فرصةً للاعب بفحص جهازه (في اللعبة طبعاً) إذا تعرض للقرصنة أو الاختراق. قد تبدو اللعبة صعبةً بادئ الأمر على مبتدئ لا يعرف كثيراً عن لعبة الاختراق والإعلام والحصول على المعلومات، لكنها سرعان ما تصبح لعبةً ذكية قابلةً للتطبيق والعمل عليها. تحوي اللعبة أيضاً معلومات وخرائط وفيديوهات حقيقية حُصِل عليها من الداخل السوري، وكذلك من أرشيف «الجزيرة»؛ وقد عملت عليها روفوس لأكثر من أربعة أشهر في سبيل أن تأتي على هذا القدر من الواقعية. وكانت اللعبة قد قدّمت في مهرجان "شيفيلد للأرشيف الوثائقي" في بريطانيا خلال شهر حزيران (يونيو) الفائت؛ وقد حققت ضجةً لا بأس بها آنذاك لأنها مثلت لعبةً واقعية تتحدث عن أمرٍ يحدث اليوم بنحو بسيط وسلس كما عبّر بعض المشاركين الذين جربوها.
باختصار، تحاول «الجزيرة» ـــــ ومن ورائها النظام القطري ـــــ خوض المعركة السورية بكل ما أوتيت من وحشية إعلامية، مستعملة كل ما تستطيعه، وحتى أكثر الأمور إبداعاً!