في مقرّها في منطقة النقاش، أقامت جمعية «أنترانيك» الثقافية أخيراً احتفالاً تكريميّاً للمخرج والممثل الراحل بيرج فازليان (1926 ـــ 2016) الذي أسس فرقة المسرح الأرمني «فاهرام بابازيان» التابعة لها في نهاية خمسينات القرن العشرين. وتخللت الاحتفال كلمات ركّزت على أهمية الدور الذي أدّاه الراحل، إذ أشار الموسيقار الياس الرحباني إلى أنه كان «من روّاد صحوة المسرح والسينما» في لبنان، فيما وصفه الكاتب ألكسندر نجّار بأنه «بطريرك المسرح اللبناني»، واسف الممثل رفعت طربيه لِكون «هويّته لا تزال لغاية اليوم قيد الدرس» رغم ما قدّمه للبنان ورغم «تمثّل الدولة اللبنانية بأعلى مستوياتها» في تشييعه.

وتولّى تقديم الإحتفال المخرج جيرار أفيديسيان الذي ذكّر بأنّ «كبير المخرجين والممثّل بيرج فازليان» تعامل على مدى السنين «مع عدد كبير من الفرق المسرحية اللبنانية، وأخرج على مدى 16 سنة مسرحيات الأخوين رحباني في بيروت كما في «مهرجانات بعلبك الدوليّة». ومثّل في عدد كبير من الأفلام من إخراج يوسف شاهين، وهنري بركات، وأنطوان ريمي ونيازي مصطفى. كما مثّل في فيلم Next of Kin في كندا من إخراج أتوم ايغويان». وأشار إلى «مئة مسرحيّة من إخراج بيرج فازليان باللغات الأرمنيّة والعربيّة والفرنسيّة والتركيّة»، ملاحظاً أنه «ترك بصمة كبيرة» عندما أخرج مسرحيّة عصام محفوظ «الزنزلخت». وإذ لفت إلى أنه درّس في الجامعة اللبنانيّة واليسوعيّة و»الكفاءات»، أبرز أنه كان من مؤسّسي فرقة المسرح الأرمني «فاهرام بابازيان» أخرج معها 19 مسرحيّة بين 1959 و1971.

أشار الياس الرحباني
إلى أنه كان «من روّاد صحوة المسرح والسينما»
أما الياس الرحباني، فاستذكر «صحوة المسرح والسينما الرائعة في لبنان في الستينات والسبعينات»، مشيراً إلى أن فازليان «كان من روّادها» كمخرج وممثل ومستشار فني. وروى أنّ عاصي ومنصور الرحباني وبيرج فازليان كانوا «أطيب الأصدقاء، وكان بيرج في المسرح الرحباني مرّة مستشاراً في المسرحيّات، ومرّة ممثلاً رائعاً في الأفلام». وأشار إلى أنّ فازليان كان مستشاراً في مسرحيّة «المحطّة»، وأدّى دوراً مهماً في فيلم «سفر برلك» وأيضاً في مسرحيّة «بيّاع الخواتم».
ثم كانت كلمة للكاتب ألكسندر نجّار الذي أخرج فازليان مسرحيته «الضفدع». وشبّه المسرح بأنه «رهبنة تتطلب أن يكرّس المرء نفسه لها كلياً من دون شروط، وأنْ يبجّله بإيمان لا يهتزّ». وأضاف: «إذا كان المسرح كذلك، فلا نبالغ إذا اعتبرنا أنّ بيرج فازليان بطريرك المسرح اللبناني».
وذكّر نجّار بأن فازليان «أخرج لفيروز أفلاماً سينمائية وحفلات عدّة، وكان المخرج جلال خوري شريكه الدائم، ومن أصدقائه النحّات زافين وعبد الحليم كركلا الذي أشركه كممثل في معظم مسرحيّاته».
وقال نجّار إن فازليان خاض كل أنواع الأعمال المسرحية، من تراجيدية وكوميدية، وكلاسيكية ومعاصرة، وأشرف على عروض رقص وكوميديا موسيقيّة، ومن بينها أعمال للأخوين رحباني على مدى أكثر من 16 عاماً.
وذكّر بأن فازليان امتلك مؤهلات جعلته قادراً على تولّي «الأدوار الأكثر صعوبة»، مشيراً إلى أنه شارك في أفلام محليّة عدّة، كـ»بنت الحارس» و»سفر برلك»، وفي أفلام غربيّة منها Next of Kin للمخرج أتوم إيغويان. وأضاف: «فازليان الذي كان يتقن إدارة الممثّلين، درّس أيضاً في الجامعة عشرات الشباب الممثّلين الذين لم ينسوا دروسه القيّمة وحرصه على الكماليّة».
أما الممثل رفعت طربيه، فقال: «جاء فازليان من المسرح الأرمني إلى المسرح العربي وقامت القيامة، وكانت التهمة أنه يتولى إخراج مسرحيات بالعربية مع أنه لا يتقنها». وأضاف: «كان بيرج يعرف خمس لغات. طبعاً كان يتقن لغّات أكثر من غيرها، فاللغتان التركيّة والأرمنيّة عنده أفضل من الفرنسيّة والإنكليزيّة والعربيّة، ولكن الأهم أن بيرج كان يعرف لغة سادسة أفضل منها كلّها وهي لغة المسرح».
وروى طربيه تجربته الأولى مع فازليان في مسرحية «جبران خليل جبران» (1996)، ثم في «حلم ليلة صيف» لشكسبير.
ووصف طربيه فازليان بأنه «كان إنساناً رائعاً كزميل وصديق وكأستاذ في المسرح». وأضاف: «يقولون إنني تعلّمت المسرح قبل أنْ أتعرّف على بيرج بسنين، ولكني مصرّ على أنّ أحد أساتذتي الكبار كممثّل هو بيرج فازليان».
ولاحظ طربيه أن «خمسة مسرحيين كبار رحلوا في السنوات الأخيرة وهم يعقوب الشدراوي وفاروجيان هاديشيان وبيرج فازليان وريمون جبارة ومنير أبو دبس»، وقال: «المؤسف والمفجع أننا لا نجد أحداً يمكن أن يحل مكانهم». وتابع: «المؤسف أكثر أنّ بيرج الذي نفّذ «فخر الدين» مع الرحابنة، علماً أنّ «فخر الدين» والرحابنة من الأمور القليلة التي لا نختلف عليها في لبنان، وبيرج الذي تمثّلت الدولة اللبنانيّة بأعلى مراتبها في مراسم دفنه، مات ولا تزال هويّته لغاية اليوم قيد الدرس».
وألقى نجل الراحل، قائد الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية المايسترو هاروت فازليان، كلمة قال فيها: «تعلّمت من والدي أنّه لا يمكن أن تكون فنّاناً بدوام جزئي. فإمّا أن تكون فنّاناً أو لا تكون. وقد كان والدي فنّاناً بدوام كامل». وأضاف: «تعلّمت منه الانضباط والتضحية من أجل الفن».