برأي كثيرين، العام 61 للهجرة مثّل مفترقاً حقيقيّاً في هويّة الثقافة الإسلامية، وشحَنَها بزخم عاطفي بالغ الحُزن، لا يزيدُهُ مُضيُّ السنين إلّا اتّقاداً. بشكلٍ عام، حدّة تداخل الوجدانيّ بالتاريخي في هذه الذكرى، شكّلت ضمن العقل الجمعي الشيعي لوحةً غيرَ مستقرّة، تكادُ تصلحُ للتوظيف في أعلى درجات الثوريّة الناضجة، تماماً كما لأدنى مستويات الفوضى والعبثيّة.

في مُجملها، تنطبعُ مصطلحات الثقافة الشيعيّة السياسيّة بهويّة عاشوراء: الثورةُ، الظلم، الشهادة، الحقّ، الولاية، وغيرها من المفاهيم؛ تلوّنت بصبغة «كربلائيّة»، أعطتها فرادةً قابلةً للتصاعد والاستدامة وإعادة إنتاج نفسها في الزمان. غيرَ أنّ النقطة الأكثر حرجاً في هذه السجالات، هي قدرةُ الطقوس على التأثير في سيرورة المعرفة الدينيّة وأدواتها. إنها نقطةٌ مغفلٌ عنها في صخب تجاذُبات الانفلات أو التهذيب.

الفقه المعترض على الأسطرة

من الزاوية التقنينيّة (الفقهيّة)، تمتلكُ الطقوسُ القدرةَ على صناعةِ أدواتٍ معرفيّةٍ بالكامل، وخصوصاً ما يندرجُ تحت العنوان الأكثر اتساعاً «إحياء الذكرى». وتتراءى هذه الأدوات عندما يُضطرُّ بعض «الفقهاء» إلى مجاراة ميولِ مجتمعاتهم المسكونة بالعاطفة، والتسامح الفائق في تجيير النصوصِ والارتكاز على معانيها المجازيّة، في بيئةٍ يكادُ أكثرُ ما تفاخر به في تاريخ ترسانتها العلميّة «عدم مُخالفة النص»!
إباحةُ أقسى أنواع إحياء الذكرى قد تُمرّر بقاعدةٍ بسيطةٍ تحت عنوان «استحباب الجزع على سيّد الشهداء»، وأكثرُ الطقوس دمويّةً يُمكنُ أن تُبرَّر بنصٍّ أدبيٍّ ــ غير مثبت المصدر أصلاً ــ حول «البكاء بدل الدموعِ دماً»، في حين تنشطُ ــ على الضفّة الأخرى ــ حركةٌ مرجعيّةٌ مناهضةٌ لهذا المدّ الطقوسيّ المتزايد، وتلوّح بضرورات التوعية والعقلنة والانضباط، وتتحمّلُ ضريبة عاليةً في سبيل ذلك.
السيد الخامنئي ناشدَ على امتداد السنوات الماضية الإسهامَ في وأد ثقافة الطقسنة الخاطئة، فقنّنَ محاربتها في مختلفِ أنحاءِ إيران، ووجّه جمهورهُ بشكلٍ مُباشرٍ إلى أنه «لا يجوزُ أن تُجعل حقائق عاشوراء ألعوبة... تحلّوا بالشجاعة في محاربة الخرافات وكل ما هو ليس من الدين، صرِّحوا بذلك علناً، ولا تُلقوا بالاً لاحتمالِ استياءِ فلان أو اتخاذه موقفاً ما». بدوره، المرجع الراحل السيّد فضل الله حَمَلَ أعباءَ القدح والتخوين عقوداً من الزمن، لتحريمه كل الطقوس الصاخبة التي تؤذي الجسد أو تشوّه الوجه الحضاري للمدرسة الشيعيّة. وكذلك، السيّد مُحسن الأمين العاملي تعرّض للاعتداء الشخصي ولاحقتهُ تهديداتُ التنكيل لإفتائه بأنّ الكثير من الطقوس التي يُدّعى أنها عاشورائيّة «أُدخِلت فيها أمورٌ أجمع المسلمون على تحريم أكثرها، وأنّها من المنكرات وبعضها من الكبائر التي هدّد الله فاعلها وذمّه».
لكن اللافت أن جهود المرجعيّات الشيعيّة التنويريّة لم تستطع حتى الآن اقتلاعَ هذا الظواهر، وتكاد كفّة الطقسنة ترجحُ تحت وطأة التجييش المتصاعد. تتكرّرُ الظواهر الخاطئة من مشاهد «الإحياء» كلّ عام، ويجري تداولٌ حثيثٌ للفتاوى النمطيّة التي تُشجّع وتُبارك هذا الانفلات. ولعل أخطرُ ما في الأمر أنّ أثر الطقوس التراكميّ المتسلل إلى مناهج المعرفة الدينيّة يشي بقدرةٍ على قلب روح التشريع من منظومةِ قيمٍ سلوكيّة، إلى مصفوفة طقوسٍ احتفاليّة.
كِلا الأمرين (أي السلوك والطقوس) يُشبعُ إحساس التديُّن لدى الإنسان الملتزم. غير أنّهُما أقربُ إلى التنافر الفعلي في مؤدّيات كلّ منهما، ويُعتبرُ النجاحُ في تأصيل أحدهما دون الآخر مقياساً كاشفاً لقدرة الفقيه على قيادة شارعه، أو السير خلف الشارع.

السيد الخامنئي ناشدَ على امتداد السنوات الماضية الإسهامَ في وأد ثقافة الطقسنة الخاطئة

متلازمة الطقوس

«المتلازمةُ» في اصطلاحها النفسيّ مجموعة من الأعراض المَرضيّة ذات المصدر الواحد؛ الطقوسُ المتطرّفةُ هي بهذا المعنى مُتلازمةٌ موصوفة. إنها عبارة عن تضخّمٌ عاطفيٌّ على حساب ثورةٍ عاقلة، أدّى إلى اختناق المناسبة العاشورائيّة بعشرات المراسم الموضوعة، التي تراوح بين الاتزان والفوضى. وتالياً، أدى إلى إنتاج متشعبات ثقافية باسم عاشوراء وحولها. إذاً، الطقوسُ باتت هدفاً بعدما كانت وسيلةً لتخليد الهدف ليس إلّا، والتركيزُ المُبالَغُ عليها باتَ يعطي إشباعاً نفسيّاً زائفاً بالاكتفاء من واجبات التديُّن. هل هذا يعفي عاشوراء من أهميتها الثقافية؟ قطعاً لا. سؤال آخر: هل يعفي هذا أصحاب الذكرى من مهمة حماية عاشوراء الثقافية من «فرط» الطقوس الدينية؟
من حيث الأسباب الموجبة؛ يرجعُ قسمٌ كبير من ثورة الطقوس التي نشهدها اليوم إلى نقطةٍ رئيسة، وهي انتقالُ الوعي الشيعي المعاصرِ من موقع المعارضة إلى موقع السلطة، وما نجمَ عنه ُمن شعورٍ مُتضخّمٍ بالذات الطائفيّة، وتعويضٍ عن مراحل القهر الطقوسيّ الطويل. كابدَ العقلُ الجمعيُّ للبيئة الشيعيّة على امتداد تاريخه تحدّياتٍ جمةّ، وقاسى مئات السنوات من الاضطهاد وتقييد الحريّات في الفكرة والممارسات المذهبيّة. وخلال العقود الثلاثة الماضية فقط، اصطدَمَ الوعي الشيعيّ بامتلاك المؤسسات الدينيّة للحكم المباشر في دُولٍ عدّة. الدول الشيعيّة الثماني السابقة في التاريخ الإسلامي لم تكن تحت وصاية الفقهاء فعليّاً، بل كانت مصداقاً لاستفادة الحاكم السياسي من عناوين مذهبيّة فحسب. واليوم تتولّى المؤسسة الدينيّة الإشراف المباشر على الحكم، أو السيطرة عليه (ولهذا تداعياته المعرفيّةُ التي تستحقُّ أن تُبحثَ في إطارٍ مُنفصلٍ أيضاً).
غايةُ الأمر أنّ هذا الانفصام بين تراث الشعور بالمظلوميّة التاريخيّة والانتقال إلى سدّة الحُكم اليوم، أدّى إلى ذوقٍ طقوسيٍّ فاقعٍ لدى شرائح عريضةٍ من الجمهور الشيعي. الأقليّةُ المظلومة التي نكّل بها أعداؤها أكثرَ التاريخ، وعاشت رُعبَ وإخَفاءَ الإحياء للمناسبات الدينيّة الخاصّة، لم تعُد اليوم أقليّةً، وباتت تُفاخرُ بطقوسها إلى حدّ المبالغة. ثمّةَ ظاهرة ٌنفسيّةٌ حادّةٌ تحكُمُ وعيَ الجمهورِ في حركته الطقوسيّة عند مثل هذه الانتقالات التاريخيّة؛ فالإحساسُ الجمعيُّ المفاجئ بالقوّة يتجاوز السياسة إلى الثقافة والخطاب، وحتّى أنماط الإحياء والشعائر. وفي حين تتمُّ المراهنة على مرور الزمن بدوره لتخفيف هذا الانتقالات النفسيّة الجمعيّة، غير أنّها لا تكونُ دورةً قصيرةً في الغالب.
في تاريخ «الاعتدال الشيعي»، لطالما كانت «إسلاميّة» الطقوس معياراً رئيساً لمشروعيتها. الانسجامُ مع الكلّ المسلم، مع الجسد الكبير، كان هذا مقصداً جوهرياً لم تتزحزح عنهُ مدرسة المعتقد والفقهاء الوسطية. غيرَ أنّ الطقسنة المعاصرة باتت تخدشُ هذه الخصيصة الشيعية بشكلٍ حاد، ما ينبغي إيلاؤه العناية والخطاب. العديد من الجهات العابثة بخلافات المذاهب تستهويها فكرة الهويّة الطقوسيّة الحادّة لكلٍّ منها، وتُتقنُ توظيفها في بناء الجدران بين مكوّنات هذا الكُلّ، وهو ما يتبدّى في مقاربة الإحياءات العاشورائيّة السنويّة ضمن وسائل الإعلام. ولكن في العودة إلى الثقافة، الحسين ظاهرةٌ إنسانيةٌ فريدة، يُمثّل احتكارها في مراسم مذهبيّةٍ متكرّرة وأداً لأهدافها ومشروعها الحضاري الواسع. وفي وقتٍ كهذا، تحديداً، ربما أكثر من أي وقتٍ مضى، آنَ للحسين، كفكرة ومشروع، أن يخرُجَ من ضيق المذهبيّة والدينيّة إلى إنسانيّة المشروع والخطاب، وطبعاً الطقوس.