قبل احتلال العراق، كانت الأنظمة تجابه مفردة عاشوراء بالقمع. هذا معروف لكثيرين، ومعروف أنه في العراق تحديداً، تتخذ شعائر عاشوراء طابعاً خاصاً، بحيث يصبح الفصل بين الجوانب السياسية والدينية والثقافية أمراً تقريباً مستحيلاً. لكن في ظل التوتر المذهبي الحاد، هل لا يزال السؤال عن «طبيعة» الشعائر ممكناً؟ على عكس ما يعتقد كثيرون، عند البحث في الأبعاد الثقافية لعاشوراء في العراق، يجب قراءة الإضافات التي انتقلت إلى الذكرى في العراق، بعد مرورها بكل بلد. الحديث هنا عن شعائر «أنتروبولوجية»، لا وجود ساطعاً لها في النص الديني، كضرب الرأس بالقامة (عبارة عن آلة حادة)، والسير على الجمر، وتمثيل الواقعة، وإقامة مسرح تمثيلي لدفن الأجساد، وتوزيع الطعام، وإنشاء المواكب، والسير من مناطق بعيدة إلى قبر الإمام الحسين، ولطم الصدور. ليست كل هذه الشعائر «عراقية» تماماً، ولا كلها دينية، إنما جزء منها صدّره العراق، وجزء توارثه بالتواتر. في هذا النص، محاولة لاستعراض الشعائر وتطورها قبل سقوط «البعث» وبعده.

في الماضي، أبقى النظام البعثي على أمور شكلية، كقراءة المقتل الحسيني، في صبيحة «اليوم العاشر» على الإذاعات الحكومية المسموعة والمرئية، مع السماح بزيارة قبر الإمام الحسين برقابة مشددة من قبل رجالات الأمن، وإقامة بعض مجالس العزاء التي تكون مجازة من قبله طبعاً. هذا التشديد جوبه بالرفض، بعدما أمر أحد كبار المراجع الشيعية، وهو محمد صادق الصدر، في إحدى خطب الجمعة في «مسجد الكوفة» بوجوب السير إلى الحسين في النصف من شعبان (الشهر الهجري)، وقد منع هذا من قبل صدام حسين مباشرةً. وهو رفض ديني، يضمر رفضاً للظلم والقمع بشكلٍ عام، شاركه فيه المرجع الكبير الآخر السيد محمد باقر سيد الصدر بطبيعة الحال، ورجال دين آخرون لعبوا هذا الدور السياسي. اللافت أنّ السيد الصدر هو الذي بادر إلى «تشذيب» ممارسات عاشورائية كثيرة من الإضافات الميثولوجية، وحرّم بعضها بكتب خطية فتوائية، ومنها السعي بين حرم العباس والحسين، الذي اعتبره فعلاً موازياً للحج، فحرّمه من الناحية الدينية. كذلك، أصدر المرجع الكبير توجيهات للخطباء في كتب ومحاضرات للتأكيد على ضرورة المحافظة على روح الثورة وأهدافها. وهكذا، أخذت الشعائر وإحياؤها منحىً جديداً، هو المواجهة مع السلطات السياسية الحاكمة منذ أواخر التسعينيات. وهذا ما أخاف النظام الحاكم (ويسمّيه العراقيون الحكومة) لتزيد نسبة المنع والتشديد على ممارسيها. من هنا تبدأ قراءة المشهد العاشورائي الحالي، الذي لا يمكن النظر إليه نظرة دينية خالصة، من دون التطرق إلى أبعاده الثقافية والسياسية.

اللغز يبقى في ضرب الرأس بالآلات الحادة كالسكين أو «القامة»

اليوم، يحلّ السواد العظيم في العراق خلال عاشوراء. تحلّ معالم الحزن وتكفهر الوجوه في الأيام العشرة. دينياً، يعتبر المؤمنون هذا مشاركة في الألم الكبير، وهو أمر لم ينقطع عنه المؤمنون خلال العقود الفائتة. إلا أن الأسود العظيم الذي يملأ كربلاء خلال الذكرى وحتى الأربعين، ليس سوى إعلان متواصل عن التخلص من قمع نظام صدّام حسين الطويل. ما لا يعرفه كثيرون، أن النظام العراقي لم يكن يحاصر النجف لشهرين منعاً لإحياء الذكرى، بل كان يصادر الكتب التي تتحدث عن عاشوراء أيضاً، وهذه ليست مبالغة، والعراقيون يعرفون هذه التفاصيل. وإلى السواد، هناك العادات الدينية الصرف، كزيارة المقامات، وتوزيع النذور على الفقراء. إلا أن العادة الأخيرة تحتاج إلى قراءة جديدة على أسس اقتصادية. بعد سقوط صدام، عادت مجالس العزاء هي الأخرى. دينياً، فهذه المجالس هي إعادة سرد للحادثة بهدف استخراج المنافع الأخلاقية منها وعرضها في سياقها الديني ــ الاجتماعي. لكنْ سؤال آخر: من يمكنه أن يضبط هذه المجالس في سياقاتها الطبيعية وإداراتها في بلدٍ يشتعل كالعراق؟
من الناحية الثقافية، هناك «التشابيه»، كما يسمى بالعراقية، وهو تمثيل الواقعة، أو مسرحتها. وهذا يحيل إلى الطابع الإعلامي لعاشوراء، وإصرار أصحابها على أنه يجب أن تترك أثراً. مسرحتها بهدف إعادة عرضها، وإخراجها إلى العلن، لتؤدي وظيفة. وليس النقاش في أثر عاشوراء، إنما في الأثر الذي تتركه ظاهرة تمثيلها في أكثر من طريقة، ومن مرجعيات متفاوتة في تشددها واعتدالها، وفي فهمها للواقعة بين الفهم النصّي الأصولي، والفهم التاريخي القابل للبناء. كل عام على مسرح كربلاء، تحدث معركة وتجلب الأحصنة، وبعدها يقتل ذلك الشخص الذي يمثل دور الإمام الحسين، وتنتهي التمثيلية في الخيم. وإلى «التشابيه»، هناك المسير. السير من مسافات بعيدة إلى الحسين. وقد استمرت هذه الشعيرة حتى في زمن التضييق البعثي. وكان السير يكلف القتل أحياناً. لهذا الطقس قوة أنثروبولوجية لافتة، فالناس يأتون من مناطق تبعد مئات الكيلومترات سيراً على الأقدام، من البصرة مثلاً (جنوب العراق) التي تبعد 450 كلم عن كربلاء أو من الناصرية حيث ذي قار وميسان، المدينتان في جنوب العراق وتبعدان 280 كلم، أو من الوسط، من بابل التي تبعد 100 كلم، أو من المعقل في النجف الأشرف الذي يبعد 80 كلم. ويأتي الزوار حتى من بغداد، التي تبعد 130 كلم عن مرقد الإمام الحسين في كربلاء، وهو مرقد رمزي طبعاً.
كل هذه الطقوس لا تثير سجالاً ويمكن صرفها في إطار ديني. إلا أن اللغز يبقى في ضرب الرأس بالآلات الحادة كالسكين أو «القامة» كما تدعى عرفاً، أو بالتطبير، واللطم، واستخدام الجنازير. أمر شهدته مناطق النجف وكربلاء، وعمّم بعد الاحتلال. كثيرون من مراجع الشيعة يحرّمون هذه العادات، لكن المجتمع يتجاوز الدين في هذا الطقس تحديداً. إنها عادة جارفة، ويذهب كثيرون إلى التحليل بأنها تتفاقم في العراق، بغرض تأكيد الاستعداد للمجابهة والقتال والفداء في سبيل المعتنقات، أي أنه يستحبل أن تكون عبارة عن مجرد استعراض. في المقابل، يرفض عراقيون كثيرون القول إن هذه عادات عراقية ــ شيعية. بيد أنّ هذا الطقس السجالي بالنسبة إلى العالم، ليس سجالياً بالقدر ذاته بالنسبة إلى العراقيين أنفسهم، الذين لديهم ظروفهم السياسية المختلفة والحامية. الخلاصة الوحيدة الممكنة أن عاشوراء ــ بالنسبة إلى أهلها ــ ليست مجرد حادثة تاريخية، طالما أن تبعاتها ووظيفتها السياسية لا تزال قائمة: الاحتلال الأميركي ترك أثراً بالغاً، والتكفير ينمو من كل حدبٍ وصوب، في بلاد الحسين.