رحل يوسف العاني (1927- 2016) أول من أمس في أحد مستشفيات عمان، وخسر العراق رائداً فنيّاً بارزاً، سيترك فراغاً كبيراً في المشهد الثقافي في البلاد، لجهة منجزه الكبير، و»الكاريزما» المؤثّرة التي أطلّ بها طيلة أعوام ما بعد نيسان 2003، داعماً ومحفّزاً للأجيال الجديدة في اشتغالات المسرح العراقي، ضمن فترة صعبة بحقّ، شهدت نتاجاً غير قليل ومواجهة لا تنسى مع قوى الإرهاب ومحاولات فرض توجّهات على المجتمع تحت ذرائع التحريم، والعاني مؤسّس «فرقة الفنّ الحديث» (1952) مع إبراهيم جلال، كان شاهداً على هذه الحقبة من تاريخ المسرح العراقيّ التي انهارت فيها البنى التحتيّة لهذا الفنّ واختفت الفرق والتجمّعات الفاعلة فيه، إلا ما ندر بجهود فرديّة.

من سوق حمادة في بغداد، حيث محل ولادته، بدأت مسيرة هذا الاسم الرائد، الذي اتّخذ لاحقاً قراراً شجاعاً، برفض مسار حياتي حدّدته أولويات الدراسة الجامعيّة، لتصبح سنة تخرّجه من كلية الحقوق في بغداد 1951، ليس فقط طلاقاً مع هذا التخصّص الذي درس من أجله لأربع سنوات، وإنّما بداية جديدة مع الكتابة المسرحيّة التي واصلها وهو طالب، مثل مسرحيات «جبر الخواطر قيس» و»راس الشليلة» و»مجنون يتحدّى القدر»، ثمّ مع الاحتراف في السينما العراقيّة منذ فيلم «سعيد أفندي» لكاميران حسني 1958، وحتّى آخر فيلم أسهم فيه وهو «غير صالح للعرض» لعدي رشيد 2005.
تاريخ من البطولات في التلفزيون، منها دوره في مسلسل «حكايات المدن الثلاث»، وتمثيل للعراق في مهرجانات عربيّة وعالميّة.
لم تمنعه العصا التي ظلّت ترافقه في العقد الأخير، من أنْ يواصل الاحتفاء بالتجارب الجديدة في المسرح، كان يوسف العاني عراقيّاً في أوان أقفل فيه بعض مواطنيه الكلام عند العبارة المألوفة «هذا البلد انتهى». كان تمايل يوسف ورقصه المحبّب بعد انتهاء العروض التي حضرها بين الجمهور، كافياً لتعرف أي صنف دم كان يسري في عروق الرجل.

أسّس «فرقة الفنّ الحديث» مع إبراهيم
جلال عام 1952

ودعونا هنا نتوقف مليّاً عند توصيف «العراقيّ». في وقت انخرط فيه عراقيون مقيمون في الداخل العراقيّ في محارق المكونات والطوائف، ومنهم مثقفون وفنّانون نعرفهم، إذ صار هؤلاء سنّة وشيعة وكرداً ولم يعودوا عراقيّين، لم يعهد عن الرجل طيلة عمر عراق ما بعد صدّام، فضلاً عمّا قبله، أنّه طرح نفسه كمواطن يتحدّر من الأبنار المعروفة بمرجعيتها الطائفيّة والمذهبيّة وبنظرة أهلها إلى البلد اليوم. التوصيف أيضاً، يستحقه، في وقت استعجل عدد من أحبائنا المثقفين المقيمين في الخارج، بقتلهم الرمزيّ لروح البلد، سرّاً أحياناً وعلانية في مناسبات أخرى، والإشكال القائم هنا في رهن صورة العراق بمجمله لمجموعة ساسة أتوا في غالبيتهم من هذا الخارج الذي لم نكن نعرفه جيّداً. وقيل لنا أتاكم بين هؤلاء الساسة، العالم والمفكّر الاقتصادي والمطلع على الحياة البريطانيّة والأميركيّة، فانتظروا الجنان التي ستفتح أبوابها في مدنكم، فانتظرنا ونعم الحصاد!
مثل هذا الأنموذج من مثقفينا، رفضوا بغداد في المطلق، وقبل يوسف بالجزء المشرق منها، برغم إنّه غادرها بفعل وضعه الصحي وما فرضته ضرائب الشيخوخة، متقدّماً- لدى زياراته المتكرّرة لمدينته- الصفوف الأماميّة في عروض المهرجانات والمواسم المسرحيّة المتجدّدة في أقسى الأحوال.
أمّا بقاء يوسف العاني في بغداد، طيلة حقبة البعث ومسايرته للنظام السابق وتجنّب معارضته، فذاك حقيقة ثابتة وصحيحة، وهو اليساري الذي تغاضى عن يساريته بعد عام 1979، لكن أن يتحوّل موته إلى مناسبة للتذكير أولاً بهذا الماضي بعد كلّ ما أنجزه، فهذا يستدعي القول إنّ قراءة التجارب الفرديّة لا يمكن لها أن تكون إلغاء يسيراً لتاريخ كامل وقناعات أفراد في محطّات مرّة وقاسية من الحياة العراقيّة، وإلا لنخرج إلى الشارع ونسأل عراقيّاً «مستقلاً» عن «أيهما يفضّل ويحبّ: يوسف العاني أم القادمين من لندن ودمشق وطهران وأميركا بعد 2003؟ بلا شك الكفّة لصالح صاحب الأدوار السينمائيّة «سعيد أفندي» و»حسين مردان».
ويوسف الذي كان متصالحاً مع نفسه، لم يدعِ النضال أبداً أو حتّى ينسبه لنفسه كما فعل غيره، اكتفى بالتوقّف عن العمل في المسرح والإنصات إلى الشباب فقط، ناصحاً ومتابعاً، لا شاتماً ومثبّطاً لمحاولاتهم.
ويوم وضع أهل المقاتل بنادقهم جانباً، وحفظت الشوارع معنى مجهولي الهويّة الذين احتضنت جثثهم في الحرب الأهليّة 2006، بعدها بدأت بغداد تتعقب طريقها إلى فعاليّات تهادن الخوف. كان ذلك في 2010، وإذا بجمع من المسرحيّين يجتهدون لإعادة النبض إلى مسارح بغداد المحدودة (وقتها لم يكن غير المسرح الوطني وباحة منتدى المسرح في شارع الرشيد ومسارح في كلية الفنون ومعهدها). في «الرشيد»، الشارع المنكوب والمهمل جوار دجلة، تواجد العاني مصفّقاً ومشجّعاً لمن أتوا بعده. كثير منهم كانوا شباباً في خطواتهم الأولى. تحرّك من الصف الأمامي في منتدى المسرح، وكأنّه سمع سيمفونية ويودّ ممّن حوله أن يطربوا لبهجته بما استمع إليه وشاهده. نعم، العاني عراقيّ صرف، والعراقيون يستمرّ تضاؤلهم في العراق الراهن.

* أفاد مصدر إعلامي لـ «الأخبار»، إنّ «السفارة العراقية في عمان تقوم بإجراءات نقل جثمان الفنّان يوسف العاني إلى بغداد بعد أخذ موافقة عائلته». ورقد العاني، قبيل وفاته، في مستشفى «مركز الطب العربيّ» في عمان، وزارته هناك سفيرة العراق في العاصمة الأردنيّة صفية السهيل وعدد من الفنانين والمثقفين العراقيين. ومن المنتظر أن يجري تشييع رسمي لجثمان الراحل حال وصوله إلى بغداد.