(إلى داريو (رحل قبل داريو فو) من لن تلد أم مثله. إلى فرانكا البيضاء، بياض قلب داريو)


لم يضح الرجل المسرحي شجرة، حتى يدخل غصناً من نافذة، لكي يداعب عصفوراً في قفص. هذا رجل منهج، لا وهم. رجل ضد الأوهام. ضد الصور المنمطة، حتى إنه لم يوزع صورة رسمية. رجل مختلف عن الرجال الآخرين، لأنه نشد المعرفة، بحيث قدمها للجمهور المسرحي، للجمهور العام، بهدف الارتقاء من أكوان الفساد إلى أكوان المعقول. لم يحقق غاياته، منذ الأيام ولا الأشهر ولا السنوات الأولى. استغرق الأمر سنوات، لأن الرجل ذا القوى الموجودة في معاني النفس، مر بما مرّ به الآخرون ، قبل أن يخلص إلى ما اشتهاه، بعيداً من المعبودات الهيولانية. دخل مباشرة في الصنائع العملانية. نط دارس الهندسة المعمارية، فوق الهندسة المعمارية، إلى المسرح. وجد سعادته القصوى في الارتجال. ذلك أن داريو فو (1926 ـ 2016) ابن قوة التخييل على الحس الإيطالي المشترك بالاختناق والأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ذلك أن فو لم يبحث. وجد ذروة طبيعته في العروض، الفردية، المرتجلة. نمط مسرحي ديني شاع في القرون الوسطى في أوروبا. ما عُنون: المسرحيات الغامضة. يقوم المسرح هذا على الاتصال بكل شيء، إلا الاتصال بالمعقولات. بذل المسرحي جهوده بإعلاء هذا الصنف، لا لأنه أحب أن يقرِّب هذا الصنف الغريب من المشاهد، بل لأن الاعتقادات والأشكال وبحوث القرون الوسطى، حددت كلها كأدوات، قامت على الموت الباهر للسلطة في تلك الحقبة، فترة ما قبل القرون الوسطى وفترة ما بعد القرون الوسطى. إذ إن واحداً من الأهداف الجوهرية لعصر النهضة، ما سمي عصر النهضة، استعادة مفهوم المركزة عبر العقل الفعّال حيث الثوابت المطلقة.
افتتن داريو فو بالأشكال المسرحية القروسطية من هذه الزاوية، لا من زاوية جهتها من المسرح فقط. جهتها من الحياة أولاً. حث المسرحي مشهده العظيم على الانتماء إلى الروح القروسطية، ثم إلى الأشكال القروسطية. جهوده الجبارة قيّضت مسرحه للجمهور. قيضت مسرحه للناس. بين الجمهور والناس بونٌ واسع. أضحى تدبير المفرد أكثر من تدبير الواحد، بزواجه من فرانكا راما. واحدة من الصور الروحانية للمسرح الإيطالي. ارتبط تطور مسرحه بتطور المجتمع الإيطالي. ربط فو الشيء بالشيء لأنه بوعيه الفلسفي، خرج على المعرفة النظرية إلى حياة المسرح الأخرى. الحياة الكبرى بالحياة الصغرى. حياة الناس بحياة المسرح والمسرحيين. هكذا، لم يبدُ غريباً بآرائه عن آراء الناس. الجنون، هنا، أساس الوجود. أساس قراءة الوجود. أساس تفسير الوجود. لا تكرار لأن المسرحي قدح مسرحه الأخير من مسارحه الأولى. المونولوجات المرتجلة في الفترة الفاشية. المرحلة البورجوازية في مسرح الـ«أوديون»، حين رضخت أعماله لبعض البنى البورجوازية، التقليدية في المسرح، ثم السحر المسرحي. غير أن فلسفة الشيخ الرئيس (بالإذن من ابن سينا)، لم تلبث أن نطت من صدر الموجودات والمنظومات الأرسطية، بتحديد منهج قام على الربط الصميم بين الوجود الكاسح والعالم الأرضي، على كل التدبيرية اللازمة. لم يألُ محاولة للخروج على مناهج وأفكار ونتائج الفلسفات الأوروبية. الفلسفة اليونانية أكثر. لم يستعمل اللا القاطعة، إلا بعد المرور بالكثير من المنظومات ذات المرجعيات الصارمة. لم يقف، كثيراً، على برولوغات بريشت (على أهميتها) طويلاً. برولوغات، مقدمات في مسرحه الملحمي. رَآها ميزة أولاً. ما عاد رآها واحدة من الطرق المبتكرة للتعليق على الأحداث. لم يفترض تشبيهاً، لأن شيطان المسرح مال إلى وظيفة البرولوغ، لا إلى شكله. إذّاك، قدم «مسرح الصحيفة». إذ وجد في ارتباط المسرح بأحداث الأيام ما لا يسمح للمسرح بالتأصل. كتب عن المسرحيات هذه أنها «مسرحيات للحرق» لأنها لا تقوم على السبر ولا على فتح الآفاق.

رفيق بريشت في الأهداف السياسية والانحياز المطلق إلى الطبقات الدنيا
مسرحيات تعليق على الأحداث. لا منزلة لها، لأنها مسرحيات يأس من الخلق. مسرحيات موت المجتمع. مسرحيات ما بعد الموت. لا مسرحيات حياة. هذا الرجل، صاحب الطبائع الفائقة، ناقش كل أمر هام في المسرح. ناقش الأمور المهمة بينه وبين نفسه. ناقش الأمور المهمة بينه وبين الآخرين. غير أنه وجد ذاته (منذ البدايات) تتحصل على ما اعتبره جذر الحياة لا المستفاد من الحياة. الراوي والرواية. الحكواتي والحكاية. داريو فو أعظم رواة القرنين. القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين. أعظم حكواتية القرنين، على جسد الكون الفاني. تشكيلات الوجود في الروايات، الحكايات. لا رواية إلا بوجود الراوي. لا حكاية إلا بوجود الحكواتي. المدهش أن المسرحي، صاحب «نوبل للآداب» (1997)، تقدم كمسرحي اكسترا شجاع، حين لم يربط حضوره إلا بالإبداع الحقيقي، بعيداً من الارتهان حتى للحكاية. هكذا حضر على منصات المسرح بالوحي لا على النص الصارم. لم يكتمل النص، مع داريو فو، إلا بالمعنى التام، أي بوضع النص في خضم الارتجال، في خضم الروح، في خضم الجسد، على جسر اللسان. موقف يصدر عن وحدة الفلسفة بين الروح والجسد واللسان والارتجال. لا مقدس عند داريو فو. وإذ وجده الفاتيكان ضد كل مقدس، رمى عليه حرماً قريباً من تكوينات نصوصه، غير المكتملة إلا بوحدة العناصر. وجد الفاتيكان في المسرحي شيطان المسرح. وجد في مسرحه مسرح الشيطان.
وصمته المرجعية الدينية بأخطر الأوصاف. كافر، مارق، زنديق. غير أن الرجل لم يقحم المسرح بنزعات رجال الدين (البابا من هؤلاء). ما يتبين بكل شيء، إلا بالعلم الأشرف، إلا بالفن الأشرف. الله هو الخالق، عند هؤلاء. لا خالق إلا الله. داريو فو خالق، لا يوفق بين الكواكب. بالعكس. رماه المجتمع الكنسي، بعلوم وفنون العلة. سخر من ذلك. كما سخر من كل شيء. هو الساخر، الساحر، الماهر، الساهر على عدم إخضاع التجربة لأحد. لا يهمه التوفيق ولا التلفيق. قراءة مسرحياته، مشاهدة عروضه الملحمية، المحيطة بكل علوم العلة، لا تقدر إلا طاقات الإنسان. «موت فوضوي بالصدفة» أو «لا تدفع الحساب» (قدمها نقولا دانيال في بدايات المرحلة الاقتصادية الجديدة في لبنان، مع جوليا قصار وطوني مهنا وكاتب هذه السطور)، أو غيرها من النصوص البلا حدود. نصوص اليساري الأبدي بلا حدود. نصوص ضد طرق التفكير القديمة، حتى في الحزب الشيوعي الإيطالي... حزبه.
مات داريو فو في يوم منح «نوبل للآداب» (ظهر أمس). مات عن تسعين عاماً. تسعون تليق بالرجل المفتون بالحكواتي والبهلوان والارتجال والثورة من خلال الضحك. رجل مفتون بالمسارح والمصانع والملاعب الرياضية والمساحات المفتوحة، حيث قدم عروضه. رفيق بريشت في الأهداف السياسية والانحياز المطلق إلى الطبقات الدنيا. البروليتاريا والبروليتاريا الرثة. استمر في إيقاظ الجمهور ما وسعه ذلك. لم تسدّ عالمه الاستحالات، حين بقي حتى اللحظة الأخيرة يداهم من نهب ثروات الإيطاليين وآمالهم من سياسيين ورجال مصارف بسلطة مسرحه البلا عاطفة تجاه هؤلاء. ضد أميركا، حتى اللحظة الأخيرة، لأنها ما انفكت تهيمن على العالم بقتله ونهب ثرواته. طوّع كل شيء لهذه الغاية. الصور الفوتوغرافية والأفلام السينمائية والمكياج والمؤثرات الصوتية وطرق الأداء واستعمال الإيقاع بعيداً من تعريفات الإيقاع. هذا الرجل الملهم، ابن أرليكينو، الشخصية العظيمة في الكوميديا «ديلارتي» Commedia dell'arte. الشخصية المهرجة. ابن مسرح شكسبير من جهة كتابة شكسبير لشخصيات معلومة بفرقة غير مجهولة. فرقة شعبية. ابن المسرح الشعبي. والد أحد الأصناف الأبدية، الخاصة بالمسرح الشعبي. داريو فو، غادر الحياة، على كل ما ليس حسناً بالشرع القاتل. لن يصدق كثيرون موته. سوف يعتبرونه مكيدة للسياسيين، ضد مكائد السياسيين، حيث حطم الأخيرون الثقة والقوانين والعدالة والمجتمع، كما ردد دوماً.
داريو فو، بشكل أكثر تخصيصاً، ميدان لا شخص. فكر لا جملة. لا يموت من حرّض على الحياة الحرة باستمرار.