تفاجأ كثيرون حين فاز داريو فو بـ «جائزة نول للآداب»، في 1997، أي قبل 19 عاماً بالتمام والكمال من يوم رحيله! كما نتفاجأ اليوم بفوز بوب ديلن. إنّه التصوّر النمطي لما يمكن أن يكونه «الأدب»: مغنّي «البروتست سونغ» الأميركي يوحي لنا بالأسطوانة أو الغيتار، في حين أنّه ترك بصماته على الشعر المعاصر. والمهرّج الإيطالي الراحل لا نراه إلا واقفاً على الخشبة بابتساماته العريضة، وايماءاته المدهشة، ومونولوجاته الصاخبة واللاذعة، ويفوتنا أن النصوص المئة التي يتركها من أمّهات الأدب المسرحي. فو وديلن تجمع بينهما هذه الخاصية: تجيير وسائط ابداعيّة خارجة على الأدب، مثل التمثيل والمسرح، أو الموسيقى والغناء، في خدمة اللغة، في سبيل تفتّح الكلمات وايصالها إلى الناس، وفتح الأدب على العالم. لكن النوبلين، الراحل بالأمس والمتوّج بالأمس من قبل الأكاديميّة السويديّة، تفرّقهما فلسطين: الرفيق داريو فو حملها في قلبها إلى النهاية، ضد الاستابلشمنت، في سياق معركته الشرسة ضد الظلم ومن أجل العدالة، خارج الاستابليشمنت الذي لم ينتم إليه يوماً، حتى بعد «نوبل»… فيما ديلن أحد أصوات الحركة الاحتجاجيّة في السبعينيّات الأميركيّة، أيّام وودستوك والفيتنام، تنازل للاستابلشمنت، وتعامى عن الحق، وتواطأ لغسل جرائم جلادنا الصهيوني.

لكن صحيح أيضاً أن نصوص داريو فو، على قوّتها وشاعريّتها، لا تكتمل من دون حضوره وصوته وطاقته وجسده وأدائه، وقدرته على الاضحاك، على الارتجال، على الاقناع، على التقاط أنفاس الجمهور، على الاصغاء، خلال التمثيل، الى آخر متفرّج في صالات (غير تقليديّة غالباً) كانت تضمّ الآلاف. إنّه حفيد أرلوكان، سليل الكوميديا ديلارتي، والفابولاتوري (الحكواتي) الذي هو أساس الفرجة. فو بطاقته المعدية، وحماسته، وغضبه السياسي، ومرونة جسده، وخصوبة خياله. كأن نصّه، مهما بلغت قوّته وشاعريّته، لا يكتمل إلا على الخشبة. كأن سيرته لا تكتمل من دون هذا الوعي النقدي، الراديكالي للعالم، الذي أزعج الكنيسة الكاثوليكيّة، كما أزعج الحزب الشيوعي الإيطالي… وجعله حتّى الأمس القريب يواجه ـــ في إيطاليا! ـــ متاعب لا تحصى مع الرقابة. خلال سنوات طويلة، رفض داريو فو ورفيقة دربه فرانكا رامي (التي خطفتها مجموعة فاشية وعذبتها في العام 1973)، التمثيل في المسارح والأماكن المكرّسة التي تمثّل الثقافة الرسميّة، الايديولوجيا المهيمنة، السلطة السائدة. كان يقدم أعماله في المعامل، ومركز النقابات والجمعيات اليساريّة، وفي الفضاءات البديلة، أمام صالات تغص بالجمهور من دون دعاية تذكر. هذا المونولوجيست الحكواتي لم يتنازل لمنطق السلطة حتى في ذروة مجده، وعند قمّة التكريس (برز في العقد الماضي بتقزيع برلوسكوني رمز «الفاشية الجديدة»، وقد مثل دوره في أعمال هجائيّة). لقد بقي «غير لائق سياسيّاً» إلى النهاية. وبقي يتعامل مع المسرح، الذي خدمه بفنيّة عالية ونادرة طبعاً، كوسيلة لمحاربة الظلم والاستغلال وغياب العدالة، واعطاء الكلمة للمقموعين والمظلومين. لجأ تحديداً إلى الكوميديا، ووظّف تقنيات السرد والايماء والارتجال والتضخيم والاسلبة. واستعمل الضحك كسلاح فتّاك، الضحك وسيلة لخلق صدمة الوعي: «لا تمثّلوا بخفّة بل بصدق»، كان ينصح ممثليه، عندئذ سيضحك الناس من كل قلبهم.
نحفظ له مسرحيات كثيرة أعيد تقديمها في بيروت ودمشق والرباط وبغداد والجزائر والقاهرة والقدس المحتلة… لكن العمل الذي بلغ مصاف الكلاسيكيّة يبقى «ميسيرو بوفّو» الذي حمله ودار به حول العالم منذ 1970. هذا العمل «الهجائي» بامتياز للسلطة الدينيّة والسياسيّة، ولآلة الاستغلال الغاشمة. كوميديا الأسرار إذا جاز التعبير، مستوحاة من تقاليد تعود الى القرون الوسطى، وقد اقتبسها ماياكوفسكي في موسكو عشية الثورة البولشفيّة. داريو فو المهرّج والحكواتي، وحده على الخشبة لساعتين وأكثر، بالكول روليه الأسود، فوق خشبة عارية من دون ديكور، وحده مع جسده ونصّه والاضاءة.
مسرحيّون عرب كثر تأثّروا بتجربة داريو فو وتنظيراته، يكفي أن نذكر منهم روجيه عسّاف مؤسس تجربة «مسرح الحكواتي» في لبنان. إنّه نموذج المثقف العضوي، والمبدع الذي لم يهادن ولم يتنازل ولم يبع روحه لشيطان السلطة واغراءاتها. ذهب منسجماً مع قيمه وتاريخه: كم نحتاج إلى «بركاتك»، رفيق داريو، في هذه الأزمنة العصيبة!