قررت الأكاديمية السويدية تتويج المؤلف والملحن والمغني الأميركي بوب ديلن. وإن كانت عظمة هذا الفنان ومسيرته تجعلانه غنياً عن التعريف، فإن سابقة تكريم مغن باسم الأدب مثيرة للجدل. ينتمي ديلن إلى جيل كانت فيه أساليب التعبير الفنية أكثر تداخلاً مما هي عليه اليوم، خاصة وسط بيئة فنية مثل «قرية غرينويتش» The Greenwich Village، حيث حط ديلن الرحال عند وصوله إلى نيويورك مطلع 1961، لتكون تلك انطلاقة مسيرة فنية لا تزال متواصلة. بدايته كانت من خلال أغنيات ضد التيار أصبحت «كلاسيكية» على مر السنين وترجمت إلى لغات عدة. نصوصها طويلة ذات كتابة عميقة، سياسية كانت مثلBlowin’ in The Wind, A Hard Rain’s Gonna Fall أو شبه وجودية مثل The Times They Are A-changing, Mr Tambourine Man. ونادراً ما يتخللها مطلع، يحملها صوت شاب اقترنت صورته بالقيثارة والهارمونيكا اللتين لا تفارقانه.

وقد يتفهم المستمع إلى هذه الأغاني، اعتبار لجنة «نوبل» كلمات ديلن نوعاً من الشعر، إذ تحدثت عن «طرق تعبير شعرية جديدة»، لكن المنعرج الأول - وليس الأخير- الذي قام به الفنان بداية من 1965 يفرض علينا رأياً آخر. مع صدور ألبومي Bringing It All Back Home وخاصة Highway 61 Revisited، انحاز ديلن إلى الفولك روك من خلال إدخال آلات موسيقية مثل القيثارة الكهربائية على ألحانه، من دون التقليل من شأن النصوص التي يكتبها. بالعكس، تعرف ديلن -الذي يعشق قصائد الفرنسي آرتور رامبو- في «القرية» على ثلة من شعراء وأدباء الـ Beat Generation مثل جاك كيرواك، وآلان غينسبرغ، الذين كان لهم تأثير واضح على أغانيه. في كليب أغنية Subterranean Homesick Blues التي استوحى عنوانها من كتاب كيرواك The Subterraneans، نرى غينسبرغ يقف على بعد أمتار من صديقه ديلن، وهو الذي كان له أيضاً أثر على نص أغنية Ballad of a Thin Man. لكن هل إنّ هذه التأثيرات الأدبية والشعرية في كلمات أغاني ديلن، تكفي لمنحه أهم جائزة أدبية في العالم كرست حتى الآن ليس فقط البعد الشعري لمختلف أساليب التعبير الفنية، بل كذلك الأسلوب واللغة أي التقنية الشعرية والأدبية؟ ثم ألا يعني منح ديلن هذه الجائزة تكريس المؤلف وتهميش الملحن، علماً أن الجدل الذي أثاره كان أغلب الأحيان بسبب خياراته الموسيقية؟
في هذا السياق، للسائل أن يسأل أين بوب ديلن اليوم من ذلك الفنان المشاكس الذي اتهمه أحد معجبيه المحبطين بـ «يهوذا» لأنه «خان» جمهوره وموسيقى الفولك الملتزمة خلال حفلة مانشيستر سنة 1966؟ مع مرور السنين وتغيّر صوته وخوضه تجارب موسيقية جديدة عبرت به قارات الجاز والبلوز على سبيل الذكر لا الحصر، أصبح ديلن أسطورة حية، رغم اعترافه بداية الثمانينيات بأنه فقد شيئاً ما من عبقريته الموسيقية. ولئن باتت ألبوماته الأخيرة حدثاً جانبياً بالكاد تلتفت إليه الصحافة الثقافية، تربع ديلن - الشخصية- على عرش الأيقونة الموسيقية، سيما بفضل أعمال خلدت مسيرته مثل وثائقي المخرج الأميركي مارتين سكورسيزي No Direction Home (2005) وفيلم I’m Not There للمخرج تود هاينز (2007) أو المعرض الفني الاستعادي الذي كرسته له باريس سنة 2012 تحت عنوان «بوب ديلن، انفجار الروك». وها هي جائزة «نوبل» تأتي لتؤكد تحول ديلن من ابن الموسيقى الأميركية الضال، إلى هرم من أهرام الفن العالمي. لكن من سخرية الأقدار أن الحائز «نوبل» للآداب لهذه السنة، خاض تجربة أدبية واحدة في حياته من خلال ثلاثية مذكرات… لم يصدر إلا جزؤها الأول.