بعد 23 عاماً من تجاهل «الأكاديمية السويدية» للأدب الأميركي، حيث كان تتويج توني موريسون عام 1993، أنهت جائزة «نوبل» للآداب اللغط هذا العام، ليبدأ لغط آخر مع منحها للفنان الأميركي بوب ديلن (اسمه الحقيقي روبرت آلن زيميرمن ــــ1941) لأنّه «خلق تعبيرات شعرية جديدة ضمن تقاليد الغناء الأميركية». لم ينتج اللغط لكون ديلن مجهولاً لكثيرين، كما حدث مرات كثيرة مع الجائزة، بل لكونه ليس كاتباً بحسب التقاليد المتعارف عليها. ديلن، المطرب وكاتب الأغاني، موجود على لائحة المراهنات والترشيحات غير الرسمية منذ سنوات، لكن لم يكن أحد يتوقّع تتويجه فعلاً. إذاً، هادنت الأكاديمية جمهور الأميركيّين، لكنّها أغضبت ذوّاقي الأدب لأنّها كررت تجاهلها لكتّاب كبار سيبقون على لائحة الانتظار، وبات على الأرجح أنّهم لن ينالوها أبداً، وبخاصة مع دخول معظمهم شيخوخته، مثل: فيليب روث، دون ديليلو، كورمك مكارثي، توماس بنتشن، جويس كارول أوتس وأورسولا لي غوين.

كان الإعلان عن الفائز قد تأجّل أسبوعاً. ومع أنّ الكاتب السويديّ بير فاستبرغ، عضو الأكاديمية السويدية، كان قد أعلن أنّ المشكلة محض «تضارب وقت»، إلا أنّ بيرون فيمان، المحرر الثقافيّ في الصحيفة السويديّة «داغنس نييتر»، رفض هذا التبرير، مشيراً إلى أنّ ثمة اختلافاً بين أعضاء اللجنة. كان بعضهم يظنّ أن سبب الاختلاف سياسي أو ديني، كما حدث عام 2005 حين انتشرت أخبار غير رسميّة بأنّ اللجنة لا تحبّذ منحها إلى أورهان باموق كي لا تُغضب الحكومة التركيّة، ففضلت منحها إلى المسرحي البريطاني هارولد بنتر، ليكون الاختلاف هذا العام على اسم أدونيس، كما أشار عديدون، بسبب انتقاداته الدائمة أخيراً للإسلام السياسيّ، حيث يفضّل عدد من أعضاء اللجنة أن لا تقوم الجائزة ببعث «رسائل خاطئة» في كونها تتبنّى مواقف هذا الكاتب أو ذاك. كانت النتيجة ذهاب الجائزة إلى «شاعر» أميركيّ، لتنفض الأكاديميّة عنها إشكاليّتين في الوقت ذاته: تردُّدها في منحها إلى شعراء أخيراً، وتجاهلها للأدب الأميركيّ.

ترافقت أغانيه في الستينيات مع انطلاق حركة الحقوق المدنيّة وتلك المناهضة لحرب فيتنام

لم يكن اقتحام بوب ديلن ميدان المؤسسات الأكاديميّة جديداً. بدأت المقالات النقدية عنه منذ عام 1972، فأعماله ــ بحسب كاتب سيرته كلينتون هيلين ـــ «أهم معتَمد في موسيقى الروك»، ويمنحها كيفن ديتمار، محرر كتاب «دليل كيمبردج إلى بوب ديلن»، قيمةً أكبر ليعتبرها «أهم معتَمد في الموسيقى الشعبيّة الأميركيّة في القرن العشرين»، حيث تخلّى ديلن عن «طفوليّة» الكلمات التي تعتمدها الأغاني الشعبيّة عادةً، واستورد الرمزية الفرنسية، مع منحها حمولةً سياسيّة كبيرة، لتصبح الكلمات قصائد بذاتها، عدا عن احتلالها محور الأغاني مُزيحةً اللحن والصوت، وبخاصة أنّ صوت ديلن ليس من الأصوات التي تميل إليها الآذان. حتى مع اتفاق معظم النقّاد على أنّ ديلن ليس شاعراً بالمعنى المتعارف عليه، إلا أنّ إسهاماته كـ«فنّان أدبي» هي من المرتبة الأولى بكل تأكيد. حُلّت مشكلة إدخال اسمه وأعماله في المؤسسات الأكاديميّة تدريجاً مع تحوّل بؤرة الاهتمام من الأدب بتعريفه الضيق إلى «الثقافة» ككل، منذ أواخر السبعينيات، حين باتت الثقافة الشعبية مكوّناً نقدياً مهماً في المشهد الثقافيّ العالميّ.
ولعلّ أكثر ما أفاد ديلن هو ترافق أغانيه الأشهر في الستينيات مع انطلاق حركة الحقوق المدنيّة واندلاع حرب فيتنام وردود الأفعال الرافضة لها، فأصبح ديلن «أيقونة» هذه الحركات لسنوات طويلة، بحيث باتت أغانيه بمثابة أناشيد غير رسميّة لهذه الحركات، وإن كان قد بدأ يتخلّى عن تلك «الأمجاد» تدريجاً، مؤكّداً أنه قد أعطى بما فيه الكفاية، وأنّ على الناس التوقّف عن التعويل عليه أو انتظار ما هو أكثر، إذ «لا يمكنك مواصلة الاعتماد على شخص واحد ليمنحك كل شيء». ولكن إن كان أثر الأغاني سيبهت مع السنوات، يواصل النقّاد نبش كلماتها لدراستها كنصوص مستقلة، مثل أي أعمال شعرية أخرى لكيتس أو شيلي.
ومع أنّ اختيار ديلن من الأكاديميّة سيثير جدلاً كبيراً، إلا أنّه يحقق عملياً «معايير» الفوز بالجائزة التي تحاول تكريم أصحاب التأثير المتفرّد ضمن حقل الأدب (بمعزل هنا عن كونه يندرج تحت تعريف ضيّق أو أوسع) على أجيال بأكملها، مع وجود بصمةٍ تميّزه عن غيره. ينطبق هذا المعيار على بوب ديلن (وعلى أدونيس) على نحو أكبر من فيليب روث أو ديليلو أو حتى بنتشن، فهم متقاربون تقريباً في الأهميّة والفرادة، وربما كان هذا سبباً آخر في تأخر «نوبل» عن الأميركيّين حيث انتهى عصر الأدباء العمالقة الذين يَسِمون الجيل (أو القرن بأكمله) بسمتهم، مثل وليم فولكنر. بالمقارنة، يبدو ديلن هنا شديد الملاءمة بمسيرته الممتدة أكثر من نصف قرن، حيث كان هو المطرب (وكاتب الأغاني) الأبرز دون منافسة، وبخاصة بعد رحيل إلفيس بريسلي. كلمات أغانيه، كانت هي ما يكرّس تعريفات العصر، لا العكس، حيث باتت فترة الستينيات تُنسَب إلى حركة الحقوق المدنيّة بكل تجلّياتها، بما فيها الأغاني. وحتى بعد التخفّف من الجرعة السياسيّة تدريجاً، أصبحت مسيرة ديلن متسمةً بتجريبيّة مرنة وتنقّل مدهش بين جميع أنواع الموسيقى الشعبيّة، حيث حقّق مكانةً فريدةً لم تخبُ طوال هذه العقود، وحتى مع ألبوماته الأخيرة، وإنْ أشار بعض النقّاد إلى كونها أدنى مستوى من ألبوماته القديمة، إلا أنّ الإجماع المطلق تقريباً على تألّق كلماته، كرّس مكانته كـ«شاعر الأغنية الأميركيّة الأبرز» طوال نصف قرن.
لكنّ مشكلة هذا المعيار الفضفاض الذي تنتهجه الأكاديميّة منذ العام الماضي حين منحت الجائزة لسيفتلانا ألكسييفتش ونوّهت إلى «ابتكارها جنساً أدبياً جديداً»، هو عبارة عن سرد تسجيلي لضحايا الكوارث والحرب، قد تؤدّي في نهاية الأمر إلى تتويج كتابٍ إشكاليّين يحقّقون معايير الأكاديميّة تماماً، ولكنهم ليسوا أصحاب «أدبٍ عالٍ»، مثل ستيفن كنغ أو مايكل كرايتن أو حتى جورج مارتن، وتجاهل كتّاب أهم بكثير، لكنّهم لا ينفردون بمكانةٍ مطلقةٍ بين مجايليهم، مثل سلمان رشدي أو خابيير مارياس أو ريو موراكامي أو بيتر ناداس.
في جميع الأحوال، ليس بوب ديلن بعيداً عن مضمار الأدب كما يبدو الأمر للوهلة الأولى، وليس وافداً مفاجئاً على المشهد الأدبي، وإن كان هو يرفض اعتباره شاعراً. نجد عشرات الكتب النقدية المكرّسة لدراسة «قصائده» التي كانت أحد الأسباب الأبرز في تغيير معايير الدراسة الأكاديمية للأدب وتجسير الهوّة التي كانت سائدةً حتى بداية الستينيات بين «الأدب العالي» و«الأدب الشعبي»، بحيث سينفتح المستقبل على احتمالاتٍ جديدة ومفاجئة في فهمنا للأدب وتعريفنا له. وربما يكون حظّ كتّاب آخرين مثل حظ بوب ديلن في انتزاع شرعيّة كلماتهم من أعرق المؤسسات الأدبيّة في العالم، من «بوليتزر» التي منحته تنويهاً خاصاً عام 2008 «لأثره الهائل على الموسيقى الشعبيّة والثقافة الأميركيّة»، وصولاً إلى الأكاديميّة السويديّة التي ستتابع إبهارنا في السنوات القادمة.