كان بوب ديلن لا يزال طالباً في جامعة «مينيسوتا» عام 1959، حين وصلت إليه أصوات «جيل البيت» في الأدب الأميركي. إنهم «جاك كيرواك، وآلن غينسبرغ، وغريغوري كورسو، ولورنس فيرلينغيتي وويليام بوروز... الذين استطعت أن ألحق نهاية حركتهم وكان الأمر ساحراً، لقد تركت تأثيراً عليّ بالقدر الذي تركه إلفيس بريسلي». بوب ديلان الذي تخلى عن الجامعة في نهاية سنته الجامعية الأولى عام 1960، ذهب إلى «غرينويتش فيلدج» في نيويورك، ليدشن تجربته الموسيقية والكتابية التي لم يبدأها بشكل فعلي إلا بعدما قرأ أبرز رموز «البيت» جاك كيرواك وروايتيه «على الطريق» (1957)، وThe Subterraneans عام 1958. قرأ ديلن أيضاً «بلوز مكسيكو سيتي» (1956) لكيرواك وتأثر بأسلوبه العفوي والبديهي، وجمله التي جاءت مزيجاً من التكرارات الشكلية ممزوجة بإيقاعات الجاز والبلوز وتحديداً «بي بوب ــ Bebop» تشارلي باركر وديزي غيليسبي. رغم هذه العلاقة الفنية التي دفعت بديلن إلى اقتباس عناوين من أعمال كيرواك، فإن اللقاء بينه وبين الأخير لم يتم إلا ذات مساء من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1975. حينها، زار مع صديقه آلن غينسبرغ قبر كيرواك في «مدافن إدسون»، حيث قام الاثنان بجلسة قراءات من ديوان «بلوز مكسيكو سيتي» (1956) برفقة الغيتار. جاءت الزيارة كمحطة ضمن جولة Rolling Thunder Revue التي قام بها ديلن مع موسيقيين آخرين مثل روجر ماكغوين، وجوان بايز وغيرهما، وأحيوا حوالى57 حفلة في أميركا. وقد وثق ديلن هذه الجولة في فيلمه «رينالدو وكلارا» (1978) الذي شارك فيه غينسبرغ بدور والد رينالدو (ديلن).

ولعل علاقة الأب/ الابن في فيلم «رينالدو وكلارا»، تختصر الرابط العاطفي الطويل الذي جمع ديلن وغينسبرغ منذ 1963 حتى وفاة الأخير. وقد توّجها الثنائي في تعاون مشترك مباشر في تسجيلات موسيقية شعرية عدّة، أهمها قصيدة غينسبرغ Vomit Express عام 1971، ليعيدا التجربة عام 1982 في سانتا مونيكا نتج منها Do the Meditation Rock. في حديثه عن الشعر، لم يعترف ديلن بالشعر المكتوب كمرجعية لأعماله وكتابته، رغم عودته اللاحقة إلى رامبو وفرانسوا فيون ولوتريامون. فبعد قراءتهم مباشرة، كتب باكورته الشعرية الوحيدة Tarantula عام 1966، التي اتبعت في الوقت نفسه أسلوب «البيت» في كتابة سيل الوعي والكتابة الداخلية. هكذا احتفظ بدهشتهم وتجريبهم اللغوي الذي يشبه اللهو، وتأثراتهم الروحية، تحديداً بالبوذية والديانات الآسيوية، وطبعاً بالجانب المسموع، أي استعادتهم لـ«صوت» الشعر، مع موسيقيي الجاز في حانات نيويورك، وإيقاعاته الشفوية والمغناة أحياناً بعدما كانت منبوذة لفترة طويلة. علاقة ديلن مع «جيل البيت» تطرق إليها المؤرخ الأميركي شون فيلينتز في فصل كامل من كتابه «بوب ديلن في أميركا» (2010). علاقة تركت أثرها على غينسبرع الذي جرفه انغماس ديلن السياسي ومشاركاته الاحتجاجية والمساحة التي اتخذها من «دموية» أميركا في حرب فييتنام، وانخراطه في حركة الحقوق المدنية في الستينيات. وهذا ما دفع غينسبرغ، بعدما ابتعد مع «البيت» لفترة طويلة عن المشاركة السياسية المباشرة، إلى كتابة قصيدة September on Jessore Road المندّدة بـ«حرب تحرير بنغلاديش» عام 1971، والتي أدّاها ديلن في ذلك الوقت.