تجاوز وودي آلن الثمانين، دون أن ينقطع عن عاداته. المعلّم الأميركي (1935) مواظب على صنع فيلم كل عام منذ 1982، بعد انقطاعات بسيطة ابتداءً من عام 1966. حتى الفضائح والبحث عن مصادر تمويل لم تثنه يوماً عن المضيّ قدماً، مع الامتناع الأزلي عن خوض المسابقات الرسمية في المهرجانات، ومشاهدة منتجه بعد الانتهاء منه. العجوز ما زال على روتينه اليومي: استيقاظ مبكر، عمل، رياضة، عمل، عزف على الكلارينت (هوايته منذ الطفولة، حافظ عليها مع الخدع السحريّة)، عمل، عشاء، 20 دقيقة من التلفزيون (أخبار أو بيسبول)، نوم. صحّته جيّدة. والده مارتن عاش 100 سنة، وأمّه 95، ما يمنح تفاؤلاً بأنّ النهاية ليست قريبة. لا يداري خوفه من الموت، من بين أمور كثيرة كالحشرات والارتفاعات وحمّامات الفنادق. هو الذي يرغب في الخلود، ليس من خلال أفلامه، بل بعدم الفناء أصلاً. في «كيفما اتفق» (2009)، يصرخ البروفيسور «بوريس» (لاري ديفيد) بهلع، معبّراً عن لسان حال مبتكره: «سأموت، سأموت».

آلن يزداد عدميةً وميلانكوليةً وهشاشةً يوماً تلو آخر. يرى أنّ «العالم مليء بالخائفين، الذين يتخبّطون ويعانون بشكل كبير». السخرية قناع أجاد ارتداءه منذ أيام كتابة النكات للصحف والبرامج المحليّة. في عمر الثالثة، اصطحبته والدته لحضور «بيضاء الثلج والأقزام السبعة» (1937)، فصارت السينما بيته الثاني. على أسفلت أزقة برونكس في نيويورك، أدرك الصغير «آلن ستيوارت كونسبرغ» جودة موهبته، وأصرّ على ألا تذهب سدى. التحق بركب السينما تحت إدارة وارن بيتي. لاحقاً، غيّر اسمه الأول إلى «وودي» تيمناً بعازف الكلارينت الأسطورة وودي هيرمان (1913 – 1987).

شريط عن الشغف والدين والنضج والشعور بالذنب والجريمة المنظّمة

لم ينوّع صانع أفلام في أساليبه وطرق عمله كما فعل وودي آلن عبر العقود. بسلاسة مدهشة، تنقل بين الكوميديا الخفيفة والرومانس، وسينما الجريمة («نقطة تلاقي» 2008، «رجل غير عقلاني» 2015) والقاع النفسي المظلم («الياسمين الأزرق» 2013)، وحتى الجانر التسجيلي («زيليغ» 1983). أنجز تحفاً ملوّنة مثل «آني هول» (1977) و«الياسمين الأزرق»، وباللونين كـ «مانهاتن» (1979)، إضافةً إلى أعمال متواضعة (البدايات) ومتوسطة القيمة. عناوينه الأخيرة اتهمت بالرتابة والتكرار. أدّى أمام الكاميرا، وألّف مسرحيات وكتباً. أخيراً، دخل كوكب التلفزيون متقاسماً البطولة مع مايلي سايروس. 6 حلقات منCrisis in Six Scenes لم تكن لترى النور لولا إصرار «استوديوهات أمازون» على الحصول على خدماته، ومنحه حريّة التصوير وكتابة السيناريو. الملهمون كثر. برغمان هو العرّاب الأول. مجّده مراراً، وسار على خطاه في «دواخل» (1978). أيضاً، يبرز فلّيني («ذكريات غبار النجوم» 1980)، وتشيخوف («الحب والموت» 1975)، إضافةً إلى ذكر آخرين في ثرثرات شخوصه: فرويد وسقراط وغوستاف مالر وكارل يونغ وغروشو ماركس ولويس أرمسترونغ وفرانك سيناترا وكول بورتر وفلوبير ومارلون براندو وسيزان. معرفة موسوعية اعتاد استغلالها، خصوصاً على ألسنة الشخصيات التي لعبها بنفسه. لا فرق في أن يكون كاتباً أو روائياً أو مخرجاً نصف مشهور، ما دام معظمهم أنا أخرى له. وصل به الأمر إلى الاستعانة بآلة الزمن في «منتصف الليل في باريس» (2011)، ليتمكّن من إحياء بونويل وسلفادور دالي وبيكاسو همنغواي. اللافت أنّه استطاع صبغ كل الفيلموغرافيا بلمسة لا يخطئها متابع، متسائلاً على الدوام: ما الذي يستحق النهوض من السرير كلّ يوم؟ السخرية من خواء أشياء ومفاهيم، مع كلّ ما تحمله النكتة من مرارة الهدف. الحاجة إلى الوهم، وليّ عنق الواقع بعض الشيء. نحتاج إلى الوهم والكذب وقليل من السحر، ليصبح العالم قابلاً للعيش. باختصار، المآل لا شيء.
«كافيه سوساييتي» أحدث أفلام وودي آلن، الذي أعلن انطلاق الدورة الأخيرة من «مهرجان كان السينمائي»، مسجّلاً رقماً قياسياً كثالث افتتاح بعد «نهاية هوليوودية» (2002) و«منتصف الليل في باريس». كالعادة، يبدأ الشريط بنوتات جاز، وأسماء الممثّلين حسب الترتيب الأبجدي. «بوبي» (جيسي آيزنبرغ) يصل إلى هوليوود الثلاثينيات، آتياً من برونكس في نيويورك (مسقط رأس آلن). في المدينة الحلم، تتحكّم الاستوديوهات الكبيرة في كلّ شيء. وكلاء أعمال النجوم يرسمون معالم الصناعة، ويوضّبون الأفلام. حفلات الكوكتيل في القصور الفارهة تشهد الصفقات، وتبادل الشائعات، ومكائد الطعن من الخلف. تمرّ أسماء غنيّة عن التعريف: جينجر روجرز وهاورد فوكس وغريتا غاربو وباربرا ستانويك وجون فورد وهايدي لامار. «بوبي» يقصد خاله وكيل الأعمال ذائع الصيت «فيل» (ستيف كاريل) بحثاً عن عمل وحياة جديدة. هذا الأخير منهمك دائماً، فيكلّف سكرتيرته وعشيقته السريّة «فوني» (كريستين ستيوارت في أداء خلّاب) بتعريف ابن أخته على المكان. هو طريّ العود، حالم رومانسي، مع بديهة تهكّم حاضرة، فيما لا تكترث هي لمظاهر البيوت الكبيرة والبارات الفخمة. لن يتأخّر الحب بين الأنا الأخرى لوودي، والفتاة الحائرة التي ترضخ لما يُرسَم لها. هذا نمط كثير التكرار في بطلات آلن، الذي خرج عن القاعدة في «ياسمين» (كايت بلانشيت)، إذ منحها القوّة والمبادرة. كذلك، يقوم بالاتكاء على مثلث حب مرّة أخرى، قبل أن يوسّعه إلى مربّع «مانهاتن». بعد اكتواء قلبه، يعود «بوبي» ليدير ملهىً ليلياً في نيويورك. ينجح في استقطاب كبار السياسة والفن، لتصبح «كافيه سوساييتي» دلالة على مستوى الحياة الرفيع في المدينة. نعم، لا جديد في عوالم وودي على مستوى العلاقات. لم يدخل كواليس الحقبة الذهبية كما فعل الأخوان كوين في «يحيا القيصر!» (2016)، بل أبقى مهن أبطاله ديكوراً لا أكثر. غير أنّ صاحب «فيكي كريستينا برشلونة» (2008) بارع في اصطياد مشاهده. ينتزع القهقهة من متن التشاؤم والمصائر الحالكة. يطوّع تشبيهات حاذقة وثرثرة محبّبة معتادة: «الحياة كوميديا كتبها مؤلف كوميدي ساديّ». يثور على نفسه باللجوء إلى الديجتال في التصوير، متعاوناً للمرّة الأولى مع السينماتوغرافي الأسطورة الإيطالي فيتوريو ستورارو. يتحدّث عن الشغف والدين والنضج والشعور بالذنب والجريمة المنظّمة. يفتح النار على مؤسسات اجتماعية، ويخرج لسانه لمعتقدات دينية راسخة. ها هو أخو «بوبي» ينتقل من اليهودية إلى المسيحية من أجل الحياة الأبدية، التي تجلب «زبائن» أكثر. أليست هذه «السلعة» مطلب وودي آلن نفسه؟

* «كافيه سوساييتي»: صالات «غراند سينما» (01/209109) ـــ «أمبير» (1269)