لو اقتصرت صالات بيروت على النوع التجاري، أين كانت ستقام تظاهرة من قبيل «أسبوع أفلام آرتي» (16 – 23 تشرين الأول/ أكتوبر)؟ جمعية «متروبوليس» (تأسّست عام 2006) تنظّم النسخة السابعة من الحدث السنوي، بالاشتراك مع شبكة القنوات الثقافية الشهيرة (انطلقت عام 1992)، في متنفّس للسينيفليين الباحثين عن الإنتاجات المستقلة والسينما المغايرة والبديلة. 7 أفلام حديثة شاركت «آرتي» في إنتاجها، وما زالت تجول مهرجانات دولية عدّة، تُعرض بفضل الشراكة التي بدأت عام 2011 بين الجمعية والشبكة.

الافتتاح كان أمس بجديد ألكسندر سوكوروف «فرانكفونيا» (2015). المعلّم الروسي (1951) يعيد عقارب الساعة إلى متحف اللوفر الرازح تحت الاحتلال النازي. التواطؤ الصامت بين مديره «جاك جوجار» (لوي دو دو لينكويسى) والضابط «فرانز وولف ميترينتش» (بنيامين يوتزراث) رئيس برنامج المحفوظات الثقافية الألمانية، كفيل بحماية الإرث الفنيّ الذي لا يقدّر بثمن. هذا ليس كلّ شيء. سوكوروف يسخّر ذلك كباب للنفاذ إلى أسئلة الهوية والفن والسياسة والتاريخ. يحيي نابليون (فنسان نيميث) في أروقة الصرح الذي كان له الفضل بتوسيعه. يطلق العنان لماريان في تمثيل الروح الفرنسيّة، وقيم «الحريّة والعدالة والأخوّة». يضيف وثائق من تلك الحقبة، معلّقاً بنفسه على الـ «دوكودراما»، من خلال حديث مع قبطان سفينة شحن في عرض البحر. المركب ينقل تحفاً. اللوفر يعني فرنسا. هذه تمثّل الجمال والفن وصمود الإنسان في وجه الاقتلاع. الفرنسيّون على قيد الحياة مطلع الأربعينات، رغم صور هتلر أمام برج إيفل. الرايخ الثالث ينتصر فقط بوضع يده على الموناليزا. بخبث، يمشي صاحب «فاوست» (2011) على حبل رفيع بين الذاتي والعام، الفني والسياسي، الآني والمستمر. يجمع تيمات اشتغل عليها منذ بداياته في وثائقيات الفنّانين، استمراراً بروائيات الألفية الجديدة، مروراً بتحفة اللقطة الواحدة «الفلك الروسي» (2002) في متحف آخر هو آرميتاج سان بطرسبورغ. تأمّل غنيّ. مجهود بصريّ. خيال منهك. تجريب يشوبه بعض التشظّي في البنية.
البرتغالي إيفو فيريرا (1975) يحضر بـ «رسائل من الحرب» (2016 ــــ اليوم)، مقتبساً رواية أنطونيو لوبو أنتونيس. رسائل الطبيب المشلوح في جحيم الحرب البرتغالية الأنغولية مطلع السبعينات إلى زوجته الحامل ماريا خوزيه، تشحن المناخ بما لا يقارن من شاعريّة وعاطفة. هكذا، يجد السيناريو نفسه في معركة غير عادلة مع سطور الرؤية الشخصية حول «الحب والحرب». المعارك خشنة. الدماء في كلّ مكان. حماقة روح الاستعمار عابرة للزمن إلى الأجيال الجديدة. الأنغوليّون حاضرون كأجساد دون أنسنة. «الخط الأحمر الرفيع» (1998) لتيرانس ماليك و«تابو» (2012) ميغيل غوميز حاضران بقوّة. سينماتوغرافيا الأبيض والأسود حميميّة التأثير. الشريط ممثّل البرتغال الرسمي في تصفيات الأوسكار القادم.
جديد روبن أوسلند «قوّة قاهرة» أو «السائح» (2014 ــــ 18/10) يقترح دراما تشويق نفسي بنفس ساخر مرير. السينمائي السويدي (1974) حقّق اللقطة الأشهر في «مهرجان كان السينمائي» 2014، حيث خطف جائزة لجنة التحكيم الخاصة لقسم «نظرة ما»: انهيار ثلجي يقترب من مطعم مكتظّ بالزبائن. المزج بين فيديو انهيار حقيقي، وتقنيات الشاشة الخضراء والـ CGI أمّن تحقيق ذلك. نحن في منتجع شتوي فاخر، تقضي فيه العائلة خمسة أيام. الأب يلوذ بالفرار من الانهيار تاركاً الأم والولدين، ما يفجّر أزمة ثقة شائكة. لاحقاً، سيحصل العكس في موقف آخر (لنذكر Antichrist للارس فون ترير). هكذا، يطلق أوسلند الرصاص على الزواج ونمط الحياة الحديثة. يتبنّى أنّ الإنسان ضحيّة ملعونة بالفطرة. غريزة البقاء لا تعير اهتماماً حتى لأقرب الناس. كل شيء مضبوط بدقّة: السينماتوغرافيا الخلّابة، والأداء، والتوليف، والميزانسين المقتصد، وموتيف فيفالدي المثير للأعصاب.
«هذا الشعور بالصيف» (2015 ـــ 19/10) يسجّل الروائي الطويل الثاني للفرنسي مايكل هيرز (1975)، بعد إقلاع باهت في «مسار الذاكرة» (2010). كاتب ومترجم يكابد رحيل حبيبته في برلين، فيتقرّب من عائلتها في فرنسا. يحاول تسكين آلامه بقضاء الوقت مع الأصدقاء، ضمن سرد مقسوم على ثلاثة أزمنة وثلاث مدن.

روبن أوسلند يقترح دراما تشويق
بنفس ساخر مرير

«مقبرة الروعة» (2015 ــ 20/10) لأبيشاتبونغ ويراسيتاكول، يتناول مجموعة من الجنود المصابين بمرض نوم عصيّ على العلاج. المستشفى موئل لفصول شعريّة، ورؤى غرائبية تتضافر برويّة على أساس واقعي بسيط. السينمائي التايلندي (1970) ينهل من رصيده الفيلموغرافي «مرض استوائي» (2004) وفيلم السعفة «العم بونمي الذي يستطيع تذكّر حيواته السابقة» (2010)، لصنع شريط أكثر سكوناً والتصاقاً بالأرض. شارك في قسم «نظرة ما» في دورة العام الفائت من «مهرجان كان».
وبناءً على طلب الجمهور، يُعاد جديد الألمانية مارين أديه (1976) «توني إردمان» (21/10) الذي عُرضَ في «أسبوع الفيلم الألماني» أخيراً. نافس في «مهرجان كان» الفائت كأول شريط ألماني يفعلها منذ Palermo Shooting لفيم فيندرز عام 2008. الإجماع النقدي والجماهيري لم يأخذ بيده إلى السعفة، التي خطفها كين لوتش عن «أنا، دانيال بلايك»، ليخرج ثالث أفلام أديه بجائزة الـ «فيبرسكي» (جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما) وبكثير من المديح. الحكاية عادية: أب (بيتر سيمونيشك) يسعى لإعادة العلاقة مع ابنته الوحيدة (ساندرا هولر). هو مدرّس بيانو متقاعد في ضواحي ألمانيا، وهي مستشارة شركة عابرة للقارات في بوخارست. هو مطلّق، وحيد. هي غارقة في العمل والاجتماعات وإرضاء رؤسائها. في عطلة الأسبوع، يظهر الأب في حياتها بشكل مفاجئ، فلا يحصل سوى على التجاهل والرفض. اللقاء الكارثي ليس سوى بداية الأطوار التي يمرّ بها الفيلم طوال 162 دقيقة. سيناريو أديه يأخذ وقته في التأسيس وإشباع الشخصيات خلال تحوّلاتها (يوميات رتيبة، النفور في اللقاء الأول، التفاعل والاشتباك، التطهير والانفجار العاطفي). ذكاء مبهر في المواقف والحوارات. انتقال سلس من كوميديا القهقهة والصراخ، إلى تراجيديا الاكتئاب والأسئلة الكبيرة. الشخصية الألمانية ليست جافة وباردة كما اعتادها المرء، خصوصاً في كليشيهات هوليوود. أسلوبية التصوير الحميمية آتية من الموجة الجديدة في رومانيا نفسها (عرفناها في أفلام كريستيان مونجيو، وكريستي بويو، وكونيليو بارمبوي، وكاتالين ميتشاليسكو، وكريستيان نيميسكو...). كل ذلك يجعل «توني إردمان» أكثر من مجرّد فيلم عائلي بسيط. هنا، تنتقل مارين أديه من تيمة «الانفصال» بين حبيبين في شريطها السابق «كل شخص آخر» (2009)، إلى «الالتقاء مجدداً» و«الفرصة الثانية». تسجّل تطوّراً ملحوظاً في الاشتغال على العلاقات المعقدة، وإغنائها بالطرافة والمفارقات الحادة. بين الفيلمين سبع سنوات، أمضتها أديه في الإنتاج لميغيل غوميز وغيره. «توني إردمان» اسم مستعار للبطل المضاد الذي يصرّ على اقتحام حياة ابنته. يتنكّر بأسنان صناعية، ليشتبك معها في كلّ الأمكنة والحالات. يجبرها على الالتفات إليه، والتفكير في القاع المأساوي الذي بلغته دون أن تشعر: استغراق آلي في العمل. وحدة قاتلة. خسارة القدرة على عيش اللحظة والشعور بالسعادة. في المقابل، هو ليس أقل اكتئاباً منها. شعوره بالخذلان واللاجدوى يتعاظم مع الوقت. هكذا، يصل الاثنان في الساعة الأخيرة إلى التطهير والانفجار العاطفي. يكشف الفيلم عن مكنوناته الثمينة. يعرّي الحياة الحديثة. يسبر واقع المرأة العاملة في الشركات الكبيرة. يخوض في معنى الأبوّة والعائلة. إنّها حيوات مجوّفة مسروقة. تتدلّى عن الحافة، حتى لو بدت عكس ذلك.
في «حمامة جالسة على غصن تتأمّل في الوجود» (22/10)، يستكمل السويدي روي أندرسون (1943) ثلاثية «أن تكون إنساناً» التي بدأت بـ «أغنيات من الطابق الثاني» (2000) و«أنت، الحي» (2007). العنوان الفريد لم يغادر «مهرجان البندقية» 2014 بأقل من الأسد الذهبي. ثلاثة لقاءات مع الموت. كولاج ساحر من العبث، والهزل، والجد، والضجر، والكآبة، والفلسفة. برغمان وبرسون في «باكيدج» واحد مع لوريل وهاردي وصموئيل بيكيت، خلال تجوال البائعين جوناثان وسام. شوارع غوتنبرغ (عاصمة موسيقى الميتال بتيماتها الوجودية الكئيبة) فضاء مناسب لكل ذلك. سيمرّ وقت طويل قبل أن نشاهد فيلماً كهذا. تختتم البرمجة بـ «الكره» (1995 ـــ 23/10) لماتيو كاسوفيتز، الذي أصبح من كلاسيكيات السينما الفرنسية الحديثة. وسيُعرَض بنسخته الرقمية المرمّمة حديثاً. يُذكَر أنّ المنتج اللبناني جورج شقير شارك في إنتاج فيلمي «رسائل من الحرب» و«مقبرة الروعة».

* «أسبوع أفلام آرتي»: حتى 23 تشرين الأول (أكتوبر) ــــ سينما «متروبوليس امبير صوفيل» ـــ جميع العروض يومياً في الساعة الثامنة والنصف مساءً باستثناء «توني إردمان» الذي يعرض الساعة الثامنة مساءً. 01/204080