لا أحد يشبه الرسام السوري نذير اسماعيل (1948 ــــ 2016 ـــ الصورة) أكثر من فناني القرون الماضية ــــــ الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر ـــــــ الذين كانوا يتعاملون مع الفن باعتباره حرفة، ويتعاملون مع أنفسهم باعتبارهم حرفيين. كان نذير يشبههم بعمله الدؤوب اليومي وبابتعاده عن كل ادعاء.

تعرّف الوسط الفني على أعمال نذير اسماعيل في أوائل السبعينات بأسلوبه الناضج والمتميز منذ اليوم الأول - كأنه ولد هكذا- شيء يذكّر بالكتابة الأولى الناضجة لزكريا تامر.
تعرفنا على أشخاصه المهشمين والمكتوين دون انفعال براني. كان يرسمهم واقفين هكذا، ينظرون الى المشاهد، لا ألم في وجوههم، ولا احتجاج، ولا حتى عتب. مسحوقون ولا يقولون، كأنهم سوريو ما قبل آذار 2011. كان يرسمهم بتقنية الشمع المحروق. وكم يتطابق هذا التوصيف: الشمع المحروق مع أشخاصه... العابرين الحياة من دون أي أثر، المحروقين بضغوطات العالم الحديدي حولهم. لا هوية - كما كانت الموضة الدارجة انذاك- لأشخاصه. لا شيء يشي بهويتهم الاجتماعية أو الجغرافية، لم يكونوا موظفين، ولا عمالاً، ولا تجاراً، ولا فلاحين، ولا ضباطاً. لم يكونوا شرق أوسطيين ولا عرباً ولا شرقيين ولا غربيين... كانوا مطلق بشر.
لم يكن نذير يفلسف أعماله. كان يرسم ويرسم ويرسم، تاركاً للرسم أن يصنع سواد عالمه، كما يقول ماتشادو عن الخطوات التي تصنع الطريق.
في غابة الهمج، في غابة انعدام الموهبة، في غابة التبجح، في غابة الادعاء، كم سنفتقد الفنان الموهوب، الفنان العميق، الصموت ـ كوجوه أشخاصه ـ كم سنفتقد الصديق نذير اسماعيل.

* فنان تشكيلي سوري
دمشق 13-10-2016