في اليوم الثاني من احتفالية «مسرح المدينة» (الأخبار 8/10/2016)، اعتلت الدمية الإسفنجية الخشبة وبدأت تتلو مأساتها كـ «دمية». هكذا، احتفل عصام بو خالد مخرج وكاتب «أرخبيل»، و«مارش»، و«صفحة 7»، و«بنفسج»، و«عالم بلا صوت» (عمل إيمائي) على طريقته التهكمية الفكاهية بـ «مسرح المدينة» من خلال عمله «مأساتي».
العرض اقتصر على بعض الأكسسوارات كشريط حذاء محرك الدمى والخنجر


اختزل الخشبة إلى منصة عريضة ودمية ماكبثية شكسبيرية عانت منذ ولادتها بتلاعب اليدين بها. باتت تحسّ أنها «رخيصة» رغم أنها حقيقة رخيصة الكلفة، فهي كتلة اسفنجية يمكن شراؤها من الأوزاعي بـ ١٠ دولارات ، تتألّف من ««طابتي «بينغ وبونغ» وشوية Peinture وpatex». لكنها تتحدث عن غير نوع من الرخص. ما زاد من مأساة الدمية أنها حساسة، حساسة بالمعنى الفيزيولوجي، فهي «تتحسّس على الإسفنج»، و«تتحسّس على نفسها». هي نصف اسفنجة تبحث دوماً عن نصفها الآخر. بمعنى آخر هي مخصية.
تلك الدمية الإسفنجية العجوز ذات الشاربين التي ترتدي قميص نوم قديمة رثة ومقلّمة (تصميم وليد دكروب ــ أداء رشاد زعيتر) كانت تردد بين حين وآخر «أهذا خنجر الذي أراه أمامي» لماكبث، كما رددت جملاً أخرى من عروض عصام بو خالد السابقة، وكانت ترتطم جثة هامدة في كل مرة يدخل فيها محرك الدمية الذي يتشح بالسواد.
بدأت الدمية تعدد المسيرة الفنية لمحرِّكها الذي ابتعد عن رغبات الدمية، فهي أرادت أن تلعب أدواراً تراجيدية: من «يا صوص ليه بعدك بيضة» إلى «ألَيس في بلادي عجائب»، عنوان مؤسلب لـ «أليس في بلاد العجائب»، كان دور الدمية يقتصر على الـ «تفاجؤ» بعجائب لبنان، إلى عرض «نوي يا قطة نوي» التابع للـ NGO'S حول التوعية والتحرش الجنسي، تلاها سحب «تمبولا» وصولاً إلى العرض الأخير الذي أدى إلى الاعتزال المؤقت لمحرك الدمية، وحمل بعنوان «خلي إيدك خضرا». ثم عاد محرك الدمية ليقدم عرض «بلدي جاط التبولة».
كل هذا القمع الفني للدمية، تحوّل إلى خطاب كاره للجمهور، وحوّلها إلى كائن إرهابي يهوى التفجير واعداً المتلقي بـ٦ نصوص مفخخة. متوجهةً من الشاشة، كانت الدمية تتلو خطاباً تكفيرياً دموي الطابع، «دواعشي فني»، واصفةً الجمهور بـ «الخوارج من الصالات»، ومتهمةً الحاضرين بأنهم «طفرة»، وواعدة إياهم بـ «٦ نصوص تفخيخية» باسم «أوفيليا وهاملت» و«كل نفس بما حجزت».
توخى عصام بوخالد قمة البساطة في عرضه، مستعيناً ببعض الأكسسوارات كشريط حذاء محرك الدمى والخنجر، وأدوات كاريكاتورية لقتل الذات. النص الذي كتبه كل من عصام بو خالد وسعيد سرحان، سهل ممتنع يبعث على الفكاهة بشكل مبتكر، ويحاكي هموم مطلق فنان يسعى لتحقيق ذاته، فيرى نفسه مقصياً ومخصياً عن أحلامه. اللعبة الأساسية في النص، بنيت على انفعالات الدمية تجاه محركها التي كانت تذهب بالنص في كل مرة دخل وخرج فيها محرك الدمية من الخشبة، إلى حبكة تصاعدية «كاريكاتورية انهيارية»، عرفت كيف تجمع خصوصيات مضحكة للمجتمع اللبناني، أكانت لغوية أو غيرها، واستبعدت الابتذال رغم نمطية بعض المواقف في العرض. إلا أنها لم تبدُ كذلك، بل كانت تسهب في إضحاك الجمهور بسبب فطنة وابتكار الربط بين مشهد وآخر، وبين جملة وأخرى. هو أيضاً عرض له إحالات على التغيرات السياسية الاجتماعية الحاصلة في لبنان، كمشهد التكفير واستعارة البرغل في جاط التبولة التي خُتم بها العرض وكانت أشبه برسالة لا تخلو من سخرية كبيرة.
تلك كانت المرة الأولى التي يحظى بها الجمهور اللبناني بمشاهدة عرض دمى فكاهي ساخر للكبار، ويجب أن تتكرر: قلما يهم كيف، أكان على الشاشة (سينوغرافيا العرض أشبه بديكور تلفزيوني) أم على الخشبة، فكم نحتاج بين حين وآخر إلى تلك الفسحة الدموية من الإضحاك الكاريكاتوري!

* يعاد تقديم مسرحية «صفحة 7» أيام 28 و 29 و 30 تشرين الأول (أكتوبر) ــ «مسرح دوار الشمس» (الطيونة ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/381280