بين أهمّ انجازات الإحتفالية التي يشهدها حاليّاً «مسرح المدينة» في بيروت، في مناسبة مرور ٢٠ عاماً على انطلاقته، أنّها أعادت إلينا بعض الرواد الذين تفتقدهم المدينة. مواعيد نادرة، نستعيد معها لحظات من العصر الذهبي ـــ الهارب إلى غير رجعة ـــ للمسرح اللبناني. بين هؤلاء، إثنان من شهود ذلك العصر، إلتقيا على رثاء الزمن المنهار. تارةً بلغة السخرية الباردة واللامعقول، وطوراً عبر طقوس السرد المباشر والمسرح الاحتفالي.

بدأنا مع فؤاد نعيم العائد إلى المسرح بعد غياب، بنصّ من أمّهات مسرح العبث، اقتبسه ولبننه وأخرجه. إنّه «الملك يموت» لأوجين يونيسكو، ينبعث على الخشبة، بعد نصف قرن ونيّف من تجربة الراحل منير أبو دبس التي جسّدها آنذاك أنطوان كرباج ورضا خوري (وميشال نبعة ورينيه ديك… تعريب أنسي الحاج)، وأحدثت صدمة في وعي المرحلة وذائقة الجمهور. نص من الكلاسيكيات إذاً، يستمدّ معناه بشكل مدهش في راهننا، عند هذا الانهيار العظيم. لا ندري أيّهما الأكثر عبثيّة: المشهد اللبناني العقيم، بمؤسساته الخرِبة، وقوانينه المتصدّعة، وبناه التحتيّة المقوّضة، وطبقته السياسيّة البائسة، أم عالم يونيسكو الهاذي، حيث الـ (لا) بطل يتمسّك بالسلطة ويرفض أن يرى انهيار مملكته، وموته الوشيك… بعد «شوي وثلاثين ثانية»؟
إذا كان العمل المسرحي الناجح، هو لحظة تلاقي النص المكتوب في وقت سابق، مع معاناة الجمهور المسرحي الآن وهنا، فإن فؤاد نعيم ربح رهانه، بإخراج بارد، هندسي، يذكّر بمناخات السبعينيّات. وأعاد «النجم» جورج خبّاز إلى لحظات مسرحيّة صرفة، في مواجهة الممثّلة «الفولاذيّة» برناديت حديب. وسجّل، بلغة المجاز، المحايدة ظاهراً، نظرته المتشائمة، اليائسة، إلى بلد لا رجاء منه.
ثمّ جاء دور روجيه عسّاف، أحد صنّاع نهضتنا المسرحيّة التي رفدها تنظيراً وابداعاً. مؤسس «مسرح الحكواتي» يمضي في رثاء المدينة من خلال وجوهها الثقافيّة البارزة. فعلها مع التشكيلي الراحل بول غيراغوسيان («مدينة المرايا»، 2010)، وواصل طقسه الجنائزي مساء الأحد، في جلسة مشهديّة مقتضبة عنوانها «بيروت غيابياً». أشرك هذه المرّة في مرثيّته وجهين من الزمن السعيد: الناقد نزيه خاطر والشاعر أنسي الحاج (على الشاشة تعبر مقتطفات من أحاديث مصوّرة أجراها مع كل منهما). في حضرة الغياب إذاً، وقف روجيه، يبكي بيروت الممعنة في الزوال… ويتّهم هادميها ومبتلعيها. فعل ذلك قبل زهاء ربع قرن، برفقة آخرين (إلياس خوري، بول مطر، حنان الحاج علي، جوليا قصار، ربيع مروه…). كان ذلك مع صعود «الحريريّة» وخطاب «الاعمار»، في مسرحيّة بعنوان «مذكّرات أيّوب» (1993)، تحكي عن الذاكرة المفقودة، عن «قتل» بيروت عبر تجريدها من روحها وناسها. نعرف جيّداً كل الذي حدث من ذلك الوقت!
وها هو عسّاف، بالمرجعيّة الأخلاقيّة التي يجسّدها، يقف على خشبة «المدينة»، في دوره الفعلي، بتمثيله «الميكانيكي»، بأسلوب السرد والتعليق ومخاطبة المشاهدين الذي نعرفه، بتقنيّاته المشهديّة المعهودة في توظيف الصورة والموسيقى (دالين جبّور)، بعصا «الحكواتي» التي صارت أيضاً عصاه… لقد جاء يشهد مجدداً على الخراب، بلغة واقعيّة، تمزج الوثائقي بالسردي، وبنبرة يشوبها الحنين. يقف روجيه على أطلال بيروت. يخيّل إلينا أننا رأينا هذا المشهد من قبل. ما همّ! دعنا نتفرّج على خرابنا. دعنا نمضي في جنازتنا إلى النهاية.