في زمن الأجداد، كانت الساحات العامّة قاعات مسارح يرتجل فيها الناس التمثيل وإلقاء الشعر والزجل والغناء والتقليد والعزف وحلقات الدبكة. على نحو تدريجي، ضاقت الساحات وتفرّق الجمهور، مفتقداً الارتجالية، حتى صار المسرح الجوّال والثابت، ركناً مغبرّاً في الذاكرة الجماعية. في عام 1997، تيقنت وزارة التربية والتعليم العالي إلى أن المسرح وسواه مما سمي بالمواد الإجرائية (التكنولوجيا والكمبيوتر والفنون) «موقع خاص في التعليم في معظم بلدان العالم المتقدم لدورها في صقل شخصية المتعلم وتنمية مواهبه وحواسه وأثرها الإيجابي في عملية التعليم». يومها، صدر مرسوم ينص على إدخال تلك المواد في المناهج الرسمية. وبرغم مرور 19 عاماً على صدوره وما تلاه من تعهدات لوزراء التربية المتعاقبين على تطبيقه، إلا أنّ تلك المواد لا تزال معلقة. والسبب «عدم تأمين مستلزمات تدريسها». قليل من المدارس الرسمية وكثير من المدارس الخاصة بادرت إلى تأمين المستلزمات وأدخلت الفنون إلى مناهجها. الأساتذة الذين درّسوا المواد صنفوا أساتذة متعاقدين مع الوزارة.

في العام الدراسي الماضي، انبرت إدارة ثانوية العباسية الرسمية (قضاء صور) بقرار خاص منها، إلى تبني تدريس المسرح في المنهاج الخاص بالمرحلتين المتوسطة والثانوية. ثانوية العباسية من المدارس الرسمية والخاصة القليلة التي اقتنعت بأهمية الفنون كوسيلة للتحفيز والعلاج وتطوير الذات. وذلك بالرغم من توافر مسارح في عدد منها، دعمت إنشاءها قوات اليونيفيل وهيئات دولية. علماً بأنّ وزارة الثقافة تنظم سنوياً مهرجان المدارس الذي تتبارى فيه الفرق الفنية في بعض المدارس على تقديم أعمالها.
لم تطل فرحة طلاب العباسية باكتشاف مواهبهم الدفينة. إذ قرّرت الإدارة أن توقف تدريس المسرح للعام الدراسي الحالي. لم تقدم الإدارة سبباً واضحاً لقرارها، خصوصاً أنّ أساتذة المادّة يقبضون مستحقاتهم من الوزارة. بين الطلاب، تسري همسات عن ضغوط تعرّضت لها الإدارة من جهات محلية لوقف المسرح «لما يبثه من اختلاط وموسيقى وغناء ورقص وغيرها من المحرّمات».
الفنان المسرحي قاسم اسطمبولي كان واحداً من أساتذة المسرح في العباسية. مهنياً، لم يتأثر لكونه يدرس المادة في مدارس عدة في المنطقة. لكن أسفه على «حرمان الطلاب في المناطق المهمّشة من فرصة تطوير المخيلة والتعبير والأداء والموسيقى والأزياء والعلاج بالدراما والتدريب على العمل الجماعي». الأسف موصول لخريجي كلية الفنون الجميلة الذين يعلقون بين ضيق القطاع الفني وعدم إقرار إلزامية تدريس الفنون.
اسطمبولي وجه كتاباً مفتوحاً إلى وزير التربية الياس أبو صعب سأله عن المطلوب ليكون المسرح مادة إلزامية في المنهج الدراسي للحلقة الابتدائية على الأقل؟ بلسان «خريج مسرح في بلد ليس فيه مسرح وطني وتدريس مسرح بل مسارح تقفل»، طالبه بإقرار المواد الإجرائية، لا سيّما الفنون، لكي لا يبقى الفن تحت رحمة مدراء المدارس وأمزجتهم الخاصة. فهل من يستجيب؟