ظِل المايكروفون على رداء هيلاري يشبه الوردة، والعلم الأميركي الذي يضعه ترامب على سترته يضاعف من بلاهته. المناظرة الثالثة والأخيرة بين المرشحين، ليست «نهاية التاريخ»، كما يراه فوكوياما، لكنها مناظرة تبحث عن مساوقة التقاليد القديمة للحوادث التاريخية المشابهة، ولا تجد الأدوات. ليس هناك اتحاد سوفياتي، ليس هناك شيوعية، أو بن لادن، ولا صدام حسين. أثناء محاولتهما «الذود» عن الكيانية الأميركية ببأسٍ يتلاقى فيه المرشحان، لم يجدا العناوين الكبرى. صحيح أن هناك بوتين «الذي يقول أشياء لطيفة عن ترامب»، كما يعترف الأخير، وأن هناك حديثاً «نووياً ــ استعراضياً» مألوفاً، لكن ثمة غياب واضح للـ«القضايا الكبرى». خلال الدورة النهائية من المناظرات الرئاسية للولايات المتحدة عام 2004 بين الرئيس جورج دبليو بوش والسيناتور جون كيري، وصل الجدل العام، آنذاك، على الفوارق بينهما عند إحدى النقاط، إلى فكرتين متنافستين. «امبراطورية من دون هيمنة» بالنسبة إلى بوش، في مواجهة «هيمنة من دون امبراطورية» بالنسبة إلى كيري. بقيت المسألة عالقة، حتى عندما انتخب بوش لولاية ثانية، استمر السؤال عما إذا كانت الامبراطورية التي كان يقودها امتلكت أو افتقرت إلى أيديولوجية مهيمنة. الإمبراطورية الأميركية كانت حاضرة أول من أمس، في خطاب المرشحين، أو في أنظمة الخطاب التي ينساق إليها المرشحان، وبطبيعة الحال مشروع «الهيمنة» يجد مكاناً أثيراً في انحياز المرشحين إلى أميركا والعائلة وأولادنا والحدود. المناظرة تعكس ذلك السؤال اللغز، عن ماهية «الأيديولوجية» الأميركية المحيّرة.
يهرّج على طريقة الـ «وان مان شو»، ويتحول أحياناً إلى «ماتشو»

الخلاف بين كلينتون وترامب، تقليدي في جوانبه الأساسية. هيلاري تقول إنها ستقف مع «الأميركيين» ضدّ الشركات، مع حقوق النساء والمثليين، والعمال. ترامب فخور بدعم الشركات له، وهو مصرّ على أحقية الأميركيين في اقتناء السلاح. السيدة هيلاري تتصرف كمرشحة، والسيد ترامب يتصرف كرئيس مقبل. حتى أنه «سيحرد» ولن يعترف في حال «خسارته» كما يقول. هيلاري تضحك دائماً، وتولي «لغة الجسد» أهمية، بينما يولي ترامب هذه اللغة أهميةً على طريقته أيضاً، فيبدو حزيناً ومستاءً أغلب الوقت، ويهرّج على طريقة الـ «وان مان شو» تارةً، وطوراً يتحول إلى «ماتشو» فيقول لهيلاري «يا لك من امرأة مقرفة»، لكنها لا تردّ عليه. التهريج، التهريج الظاهري، الذي في باطنه قمع الذاكرة الجماعية للمشاهدين وتطويعها، يبدو لطيفاً في ظاهره، ومضحكاً، لكنه بالنسبة إلى الأميركيين أكثر أهمية مما يبدو عليه. هيلاري تدعم حق النساء في اختيار قرارهن بوضوح، بينما ترامب يقول إن ذلك يعود للأفراد، ويعض على شفتيه بينما تعلن هيلاري رأيها. استعادت هيلاري دعوة ترامب لمعاقبة النساء ولكنها تربط موضوع الإجهاض بالخيارات «الشخصية»، ولا تتجرأ على الذهاب أبعد من ذلك في «تحررها». في موضوع الهجرة، يحلّق ترامب. لا يمكن لهيلاري كلينتون ولا أحد اللحاق به. يريد أن يبني جداراً. التقى الرئيس المكسيكي واكتشف أنه «ِشخص لطيف». مكسيكي لطيف؟ لكن المكسيكيين يريدون أن يدخلوا إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهم «شريرون وتجار مخدرات». المرشحة الديموقراطية أكثر عقلانية، «لن تكون لدينا حدود مفتوحة». ترضخ قليلاً، ثمة ما هو حقيقي وناضج في خطاب ترامب، وتضطر كلينتون دائماً إلى مسايرته. صحيح أن ترامب «ماتشو»، ويريد للسوق أن تتحكم بمصائر الأميركيين (كأنها لا تفعل ذلك الآن)، ولكن هيلاري بدورها حريصة على عدم تمزق «العائلة» الأميركية. تؤمن بالـ «الحلم الأميركي» في نهاية المطاف.
الشق الأكثر إثارة هو شق بوتين. ترامب يزعق: سيأتي الناس من سوريا، سيبدأ الإسلام الراديكالي بالتدفق إلى أميركا. ورداً على اتهام كلينتون له بصداقة بوتين، يعلن بائساً: «لا أعرف بوتين، لكنه قال عني أشياءً لطيفة، لا مانع من أن تحارب أميركا وروسيا الإرهاب». وبالنسبة لحلب، ترامب حزين. وأوباما مزق حلب. وترامب يفضّل بقاء الأسد على رحيله. هيلاري تردد كلاماً أميركياً دارجاً. عن الحل السلمي والدفع بالاتجاه الحل السلمي. يصير هذا مملاً تدريجياً. ولولا لحظة تبادل الاتهامات، ومقاطعة ترامب لكلينتون: «أنت الدمية، أنتِ الدمية»، بعثت المناظرة على النعاس. للأمانة، ترامب ليس مملاً. يذكر نظيرته كل فترة «زوجك فعل كذا، وزوجك فعل كذا». يتهمها أنها لا تحب بوتين لأنه «أذكى منها». وهي تضحك، وتقول إنه بنى فندقاً بالحديد الصيني، بينما يحارب الصينيين. وفوق هذا كله لا يدفع ترامب الضرائب، المهاجرون في أميركا يدفعون الضرائب أكثر من بليونير. هذا ما تقوله السيدة هيلاري، التي تريد النهوض بالاقتصاد الأميركي، بينما لم تخف رغبتها في مطاردة البغدادي، إلى الرقة، وما بعد بعد الموصل!