ما عاد الحديث عن تركيز المحطات اللبنانية على الابتذال والإثارة لخوض المنافسة على الرايتينغ مستغرباً أو قابلاً للنقاش. هذه حقيقة تثبتها الخرائط البرامجية على معظم الشاشات المحلية، خصوصاً في مجال الترفيه الذي يعاني من عقم في الأفكار المبتكرة، ويعتمد غالباً على تنفيذ برامج أجنبية. ضمن برمجتها الخريفية، حجزت «المؤسسة اللبنانية للإرسال» مساء كلّ يوم أحد مساحة لبرنامج منوّعات بعيد عن الغناء والرقص والتمثيل. إنّه «Take Me Out نقشت»، من إعداد رولا سعد وإنتاجها (فانيلا برودكشن) وإخراج باسم كريستو. البرنامج الذي شاهدنا منه حلقتين حتى الآن، هو النسخة العربية من برنامج التعارف الترفيهي Take Me Out الذي تعرضه شبكة ITV البريطانية منذ بداية عام 2010، وأدّى مراراً إلى علاقات غرامية أفضت أحياناً إلى أولاد وزيجات.
هو النسخة العربية من برنامج التعارف الترفيهي Take Me Out

قبل بدء البرنامج، كثر الكلام عنه والتوقعات، خصوصاً أنّ رولا سعد سبق أن خاضت تجربة مشابهة في إنتاج موسمين من برنامج «The Perfect Bride ــ قسمة ونصيب» في عامي 2007 و2009، والنسخة العربية من البرنامج الأميركي Momma's Boys. كذلك فإنّ مهمّة التقديم ألقيت على عاتق الفنان اللبناني الشاب فؤاد يمين الذي انضم إلى فريق B.B.Chi على القناة نفسها (راجع المقال أدناه)، واختبرنا خفّة ظلّه سابقاً في برنامج «شي. أن. أن.» («الجديد») وفي سلسلة إعلانات تجارية كوميدية.
منذ الحلقة الأولى، انشغل روّاد مواقع التواصل الاجتماعي وأهل الصحافة بالبرنامج المؤلف من خمس جولات، يحاول خلالها رجل واحد إقناع الفتيات الثلاثين (تراوح أعمارهن بين 18 و30 عاماً) باختياره. وفي المرحلة الرابعة، يختار الشاب الذي عرض «مواهبه» سابقاً فتاتين فقط من اللواتي اخترنه، ليطرح عليهما في المرحلة الخامسة والأخيرة سؤالاً واحداً. وفي النهاية، يقرّر مواعدة الفتاة التي تعجبه.
قيل الكثير عن «منافاة هذا البرنامج لعادات وتقاليد المجتمعات الشرقية المحافظة»، وتشويهه لصورة الفتيات اللبنانيات وتظهيرهن على أنّهن سطحيات لا يفكرن إلا بالجنس ولا يتكلمن إلا عنه، فضلاً عن سوقية المصطلحات والأسلوب. لا شك في أنّ المشتركين/ ات لا يمثلون جميع شرائح المجتمع اللبناني، وهذا قد يعود إلى أسباب عدّة، لكن الأكيد أنّ الحوارات والتعليقات (واضح أنّها مُعدّة مسبقاً ومفتعلة) لا تدور إلا في فلك الجنس. هكذا، نعرف مثلاً أن إحداهن ترتدي the sexiest baby doll ever (أكثر «بيبي دول» إثارة) أثناء النوم، فيما تفضّل أخرى أن تبقى عارية، كما تغرق الأحاديث في بحر من الإيحاءات الجنسية الشوارعية المتمحورة حول «القطط والبيض وأعشاش الطيور». هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ فؤاد يمين (الشهير بـ«فوفي») لطالما عُرف باللجوء إلى التعليقات الجنسية في إطلالته التلفزيونية، لكنه كان ينجح بذكاء وخفة ظل في الإضحاك، متجنّباً الوقوع في مجرور الابتذال!
كلّ هذه العوامل تؤمّن شهرة ونسبة مشاهدة لا بأس بهما، قد تتغيّران الشهر المقبل مع بدء «الرقص مع النجوم» في التوقيت نفسه على mtv.
الملاحظات على «Take Me Out نقشت» لا تنتهي، وتبدأ من فكرته القائمة على مبدأ العرض والطلب، كما في الأسواق. تسليع المرأة وتسطيحها جليّان جداً، لكن هل تنبّه أحد إلى أنّ الرجل مسلّع أيضاً؟ معايير الحكم عليه هي «التاتو»، وكبر العضلات، والشعر الطويل المسرّح، والعيون الملوّنة. لكن القرار في يده في النهاية! ما يحصل على الشاشة ليس إلا تطبيقاً حرفياً لما يظهر على ITV البريطانية، وقد يكون أكثر قبولاً هناك مقارنة بهنا. إذاً، النسخة العربية تؤدي غرضها بـ«الترفيه والتسلية» السطحية، ويبقى كلّ شيء مباحاً في لعبة «الرايتينغ»!

*«Take Me Out نقشت»: الأحد ــ بعد نشرة الأخبار المسائية على lbci.