* سيظلّ بيننا

أندريه صفير*
أنا أعمل مع مروان قصاب باشي منذ عام 1989. الكلمات قاصرة عن التعبير عن كمّ الحزن الذي يعتريني. سنفتقده كثيراً، ومروان لا يموت، هو من أهم الفنانين عربياً وعالمياً. أعماله ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى العالم كله. منذ أربع سنين، وجدت هذه الأعمال طريقها إلى المتاحف المهمة متل «متحف شيكاغو»، و«تيت مودرن» في لندن، والمتاحف الألمانية، و«متحف غوغنهايم»، وهو كان محظوظاً برؤية هذا الشيء، فقد انتظر وقتاً طويلاً حتى يأتيه الاعتراف ويرى التقدير الذي يستحقّه. مروان توفي، لكنه سيظلّ بيننا بأعماله.
صاحبة «غاليري صفير زملر» (هامبورغ/ بيروت) التي تعرض أعماله.


* ابن تلك اللحظة التاريخية
* سمير الصايغ

مروان هو واحد من الفنانين العرب الذين أسسوا لحركة الفنون التشكيلية الحديثة. هذه الحداثة تشكل منعطفاً مهماً ومثيراً في الحركة الفنية أو في الحداثة العالمية التي عرفتها أوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر. وفي منتصف القرن العشرين، حققت هذه الحداثة الغربية انتصاراً على ذاتها عندما انفتحت على الحضارات غير الأوروبية، واعتبرت أنّ التراث الحضاري للشعوب الشرقية أو الأفريقية أو من أميركا اللاتينية تراث إنساني. من هذا الباب، دخل مروان قصاب باشي هو وكوكبة من الفنانين التشكيليين العرب والسوريين واللبنانيين والمصريين والسودانيين والمغاربة، إلى قلب الحداثة الغربية، مع نَفَس أو صفات أو حضور شرقي عميق، بحيث استطاعوا أن يقفوا أمام الحركة الغربية موقف مساواة. فصحيح أن مروان هو فنان سوري، لكن السورية في فنه، هي الصفات المشرقية، سواء كانت في اختصار أو جمع الصفات المتراكمة من السومريين إلى أيامنا الحاضرة. وتضاف إلى هذه الصفات، مجموعة من الأسئلة الكبيرة حول الانتماء وحول معنى الخصوصية الحضارية. ففي الوقت الذي نتأمّل فيه وجوه مروان التي عمّرت لوحاته من البداية إلى النهاية، نقرأ فيها دون أي شك كل الصفات التي حملتها الأيقونات البيزنطية، وكل الصفات المختبئة التي حملها فن المنمنمات العربية. هي نفسها هذه الوجوه نقرأ فيها الأساليب التشكيلية التي عرفتها الحركة التعبيرية الغربية. هكذا، استطاع مروان أن يحقق هذه اللحظة التاريخية التي التقى فيها فنان شرقي مع الفن الغربي من دون أن يخسر صفاته الخاصة ومن دون أن يكون تابعاً أو منتمياً إلى هوية أخرى... هذه الحداثة التي نخسرها الآن في حياتنا الفنية. لذلك ستبقى لوحات مروان شاهداً على أن الفن يستطيع أن يوحّد ما لا توحده السياسات ولا الحروب.
تشكيلي لبناني


* حامل هموم العرب
محمد الروّاس*

استطاع الوصول بالفن العربي إلى المستوى العالمي، وتجربته ليست رائدة على صعيد الفن التشكيلي في أوروبا وتحديداً ألمانيا فحسب، بل وصل أثرها إلى أن شكّلت هذه التجربة مدرسة في الفن العربي المعاصر، وتركت أثرها البالغ عند مجموعة كبيرة من الشباب المبدعين الذي تتلمذوا على يديه. لذا، يحق القول إنّه خسارة كبيرة على المستويين الإنساني والفني. أما إذا أردنا الدخول في مضامين الهاجس التعبيري كمعنى، فمن المؤكد أنّ مروان قصّاب باشي كان حاملاً حقيقياً لكل هموم العرب وقضاياهم. هذا شيء واضح وجلي في لوحاته. وإن كان فنّاً تشكيلياً لافتاً، فإنه يحمل في طيّاته ووجوهه كل مآسي الوطن العربي، لأن نتاجه كان يحمل مرارة معبّرة. من دون أدنى شك، عكست هذه المرارة وضعنا بشكل صادق حتى أبعد الحدود. دعنا نترحّم عليه ولا شيء يقال في هذا المقام أكثر من الأمنيات بالصبر لذويه، وأن تكون روحه في سلام أبدي وملكوت أفضل من عالمنا.
*تشكيلي لبناني


* وجه الحضارة المشوّه
جميل ملاعب*

الوجه الذي يرسمه مروان قصاب باشي، هو وجه البشرية، وجه الحضارة المشوّه، وجه حضارة الإرهاب الذي يدكّ أوطاننا وشعوبنا وتفاصيل بلادنا. هو اشتغل على تجسيد الإنسان البريء الذي لا يحمل صوتاً، فكان صوته، ولا يملك وسائل تقنية يتمكّن من خلالها القتل والاحتلال وممارسة البشاعة ومحو وجوه الطبيعة والسلم العالمي. لذا، فقد كان مروان قصّاب باشي كمن يطعن نفسه بسكين حادة وهو يرسم، كمن يقتل نفسه ليتساءل: لماذا يحلّ بنا كل هذا العنف.
هو بمثابة تجربة توازي تجارب إنكليزية كانت تجسّد ما تريد قوله بكومة قمامة على هيئة بشرية ورأس متفجّر. ظل مروان يركز على هذا الموضوع، كإنسان عانى من خلال هجرته خارج سوريا حتى يعيش الحرية التي هو يريدها في بلد يحمل قيمة للإنسان وقيمة للفن وقيمة لحرية التعبير. وربما كان مروان قد عاش في بلده سوريا تجارب مختلفة حتى وصل إلى هذه الصيغة بالرسم، ومثله لا يمكنه أن يشارك في حروب ولا أن يحمل سلاحاً. لذا، كان سلاحه ريشته، ودمه هو اللون الأحمر، وجسده وصرخته هو الوجه الذي يصرخ.
كأنه يحمل جروحات كل العالم وكل مآسي الإنسان. أتمنى أن يعمّ السلم في سوريا حتى يكرّم مروان قصّاب باشي ويكرّم معه الراحلان نذير نبعة ونذير إسماعيل. هؤلاء الثلاثة يجتمعان برابط وقاسم مشترك هو إيمانهم بالتراث وبالفن والجمال الذي سينتصر على العنف في النهاية. الحقيقة فقدنا علماً من أعلام الفن العربي.
تشكيلي لبناني


الدمشقي أو البرليني
بطرس المعرّي*

استطاع مروان قصاب باشي أن يدرج بسهولة عمله وبالتالي اسمه في حركة الفن المعاصر الأوروبي. وكما نعلم، فإن غربته كانت إرادية، وشبيهة بغربة أو هجرة كثيرين من المفكرين العرب القادمين للإقامة في أوروبا. هو الذي أتى إلى مدينة برلين، وهي تنفض عنها غبار الحرب العالمية الثانية، واستقر فيها منذ أواخر الخمسينيات. غير أن مروان يتميز عن الآخرين بأن عمله استطاع أن يتجذر أكثر في بلاد الغربة، في حين أن مبدعين آخرين لم يستطيعوا أن يتحرروا من سلسلة الأصول. نحن لا نرى في رسمه هذا الحنين التوكيدي، ولا هذه المرجعيات الغريبة أو الفولكلورية. هو رسام قبل كل شيء، في لوحاته التصويرية أو في سلسلة الدمى أو أيضاً في هذه لوحات الوجوه أو وجهه حيث لا نجد سوى «الرسم».
بعضهم كالفنان والناقد أسعد عرابي (خلال مقابلة أجريناها معه في باريس سنة 2000)، يعتبره رساماً برلينياً بامتياز، فيما يريد العرب والسوريون بخاصة شد «اللحاف» إلى طرفهم ليكون فناناً سورياً، فتكون الوجوه تضاريس قاسيون والشام، والروح شرقية...
وتظل أمور التقويم هنا راجحة برأينا لذلك الإرث البرليني بالطبع، وإن كان القلب والروح سوريين، دمشقيين بالتحديد حيث تشكل وعيه الأول بين بركة داره وفسيفساء جدرانها ونسيم أمسياتها، وهو يستمع مع إخوته إلى قصص من السير الشعبية من فم أبيه، تاجر الحبوب الدمشقي.
اكتشف مروان الشمس مجدداً في باريس منتصف السبعينيات. ذكرته بشمس دمشق التي كان يتنقل تحتها في ضواحيها ليرسم هناك. كان ذلك الاكتشاف قد أتى بعد سنوات برلينية ملبدة بالغيوم وسماء رمادية. ومن تأثير ماتيس لا من شمس مطلع شبابه، شهدت لوحة ألوانه قوة تعبيرية وسطوعاً باذخاً. ونلاحظ ذلك في لوحات الطبيعة الصامتة، وأيضاً في لوحات «الدمى»، التي نفذها بألوان حيوية وزاهية أبرزت العناصر بنحو لافت بالنسبة إلى متابعي أعماله السابقة.
في ما يخص لوحات الدمى، يقول بعضهم إنّ الفنان يتذكر من خلالها السيدة «خدوج» التي كانت تتولى العناية به وبإخوته عند غياب أمه عن الدار، وكانت تروي لهم قصص الجن المخيفة التي حملها معه بكوابيسها إلى ألمانيا. أما بعضهم الآخر، الذي لا يعرف قصة خدوج ووجهها الدميم كما يرد وصفها في كتاب ألفه عبد الرحمن منيف عن مروان، فيرى في الدمية سؤالاً آخر ويوسع التفسير بطريقة موحية: هل الدمية امرأة؟ أم طيف أم شبح؟ هل يبحث الفنان عن صورة أسطورة؟
كانت الدمية في كل الأحوال أكثر مرونة وطواعية من خدوج! هي تتغير مثل الطبيعة الصامتة وفق رغبة الفنان. مع ذلك، فهي تأخذ مواقف تجاه العالم. فقد مُثّلت بألوان زاهية، وللمرة الأولى استخدم مروان الأحمر الفاقع في لوحاته. لكن الشكل عاد ليجد مع الوقت مظهر المشهد الطبيعي. كذلك، فإن الحميمية التي أوجدها بين شكل الدمى واللون كانت معبرة أيضاً.
* تشكيلي سوري