«ينتمي مروان إلى نوع نادر من الفنانين الذين يؤمنون بأن الفن ليس مجرد جمال سابح في الفراغ، بل هو فعل أخلاقي يربط المتعة والفرح بالحقيقة». بهذه الشهادة، اختصر الكاتب الراحل عبد الرحمن منيف (1933 ــ 2004) انتماء صديقه الأقرب مروان قصاب باشي. هو أكثر مَن عرفه، وأكثر من دفعه إلى التعبير عن فنه، فشكلا ثنائياً «صداقوياً» قل نظيره عبر التاريخ. وها هو مروان قصاب باشي يلتحق بصديقه بشوقٍ إلى المقر الأخير، يغيب عن 82 عاماً، كرّسها للفن الرؤيوي الملتزم والهادف.

«أحنّ إلى الوطن كثيراً، وكم كنت أتمنى لو أننا قضينا عيد الميلاد ورأس السنة في دمشق أو بيروت» يقول مروان في رسالته لعبد الرحمن منيف في 23 كانون الأول (ديسمبر) 1999. والوطن هنا سوريا، مع أنّ لديه جنسية ألمانية، وكان أستاذاً في كلية الفنون في برلين. إنّها الكلية نفسها التي درس فيها الفنون التشكيلية يوم وفد إليها من دمشق شغوفاً بالألوان، فأصبح من أبرز فنانيها الطليعيين، ثم حطت لوحاته رحالها في المتحف الفن الحديث في برلين. كرمه الرئيس الألماني عام 2005، مانحاً إياه وسام الاستحقاق من الفئة الأولى، فانتزع اعترافاً دولياً جديداً، هو في الأساس جزء مما كان يريد، لا على المستوى الشخصي، بل كما رواه في إحدى مقابلاته لقناة «الجزيرة»: «لي صديق لعب دوراً هاماً في تلك المسألة. رسام أكثر من أخ اسمه نذير نبعة. قلت له يا نذير، سأجلب كارين ويزن ونبقى في دمشق. نظر إليّ بعيون ألماسية تدمع وتلمع كالجواهر. عانقني حتى آلمني، وقال لي: يا مروان نحن منحبك كثير أكثر مما تصور، ولأننا منحبك كثير كثير لازم ترجع لبرلين. فهمت أنّ رسالته شبيهة بتضحية سيدنا إبراهيم بابنه. أي إنّه يضحّي بالصديق كي أشتهر، وأدركت أنا الرسالة أنه إذا صرتُ رساماً كبيراً في ألمانيا ومشهوراً في الغرب، أفيد وطني أكثر بكثير مما إذا كنت رساماً في سوريا». يصعب الحديث عن تقنيات هذا المعلَّم، أو عما تذكرنا به بصرياً. خبرة العقود الصاخبة بالتمرس والسبك المتين، نقلته بين مدارس تشكيلية شتى ليكون في النتيجة تعبيرياً «مروانياً» بامتياز، من البقعيين (tachisme) الذين لا ينكر تأثره بهم إلى فناني «اللا رسميّة» l’art informel الذين كانوا في أوج صعودهم مع وصوله إلى ألمانيا في أواخر الخمسينيات. تعيدنا ذاكرتنا البصرية أيضاً إلى الكبير مونخ، أو حتى عجينة كوكوشكا، ولاحقاً إلى موديلات ايغون شيلي، وتأليفاته التي تتنفس عن الجانبين.

يبقى الأساس ضربات الريشة الواضحة والدسمة
لكن يبقى الأساس ضربات الريشة الواضحة والدسمة. أما عن الكيفية، فقد أجاب عبد الرحمن منيف عنها في إحدى رسائله المؤرخة بـ 27- 3- 1999: «الغالي عبد الرحمن (منيف) إن أعمالي تأخذ وقتاً طويلاً في السنوات الأخيرة وعلى اطراد واضح للأسف. إن طبقات اللون الكثيفة اليومية على العمل تشبه تشققات الأرض العطشى منذ قابيل وهابيل وحتى اليوم. أحياناً أقول لنفسي، عليّ أن أترك للوحة بهاء البكارة الأولى ثم أنظر وأقول لا. هنا وهناك وبعض السطوح الجديدة لأصل إلى النواة، والوصول إلى النواة أمر عسير لا يتعلق بالوقت فقط، وإنما بالهبة والانفتاح. وهذا حق وضرورة، وأقصد بهذا زمن المعاناة والتحدي الداخلي والندرة. عرضت في السوق الفنية لمدينة كولونيا في الخريف المنصرم لوحة رسمتها في الصيف ثم عادت إلى مرسمي. كان بها بعض الغنوجة والصبا. قلت لنفسي ربما هناك سطح بسيط يحتاج إلى عمل يسير بدقائق. تحولت الدقائق إلى أسابيع وحتى شهر شباط. لم يبق من الأصل أصل، وأصبح ثقل اللوحة أضعافاً (...). لا أحمل السلم عرضاً ولكن يظهر أنّ سلمي عجيب التشكيل. رغم أنّي لا أرى به عجباً بل حقاً وواجباً، فأنا لست صانع سلالم بل حاملها. وكما تعرف، فإن الحمل (الأخلاقي) أمام النفس ثقيل على الروح والجسد، لكن لنقل بأنّ لكل درجة إشارة وخطوطاً وكتابة، وهذا ما يعوض ويفرج النفس لساعات الأمل.
ربما كان هذا جواباً بسيطاً عن سؤالك البارحة ماذا أعمل أو كيف أعمل. لم أرضَ عن نفسي قطعاً ولم أتوقف للحصاد، وعندما أسأل عن هذا، أكاد أشعر بالذنب والتقصير. ما يسعد قلبي أحياناً ولع الآخرين أو بعضهم بأعمالي واعتبارها حياتية ووجودية على جدران بيوتهم كالضمير يجلب الأمل رغم... رغم ماذا؟. المواسات ربما كانت بالتاء المربوطة، لكنها من أجمل الكلمات في قاموس اليوم والمصير».
وهناك أيضاً شهادة أحد كبار الفنانين الألمان التي ضمّنها مروان في رسالته لمنيف بتاريخ 19- 2- 1999: «إنّ «بيت بريخت» كما تعرف، يتكون في الطابق السفلي من أربع غرف للعرض، وقد قدمتُ 9 لوحات كبيرة من عام 94 وثلاثاً من العام المنصرم، وكنت مقتصداً جداً، حيث بقيت بعض الزوايا والجدران فارغة مما يسهّل إمكانية الرؤية والاستيعاب ويؤكد صميمية أو حميمية الأعمال وأساسها الوجودي، وأعتقد أن المعرض واجه حماساً لدى من رآه، ووصلتني قبل أيام رسالة من رسام معروف من برلين قال فيها: عزيزي مروان، رأيت معرضك في «بيت بريخت»، وأريد أن أقول لك إن رسمك قد اثر بي كثيراً وبشكل عميق. رسم لا يرضى بالجمال الأول المقدم. تصل في حبك العمل إلى درجة قصوى من دون أن تضيع ردة الفعل الساعية أو حرية العمل. من النادر جداً أن أرى في هذه الايام التزاماً ومعاناة كما أراها في أعمالك». أفرحني كتاب الصديق وخاصة أن يكلف رسام نفسه كتابة رسالة مثل هذه صادقة إلى رسام آخر. نكتب ونرسم لمن يحب أن يرى (...)».
اليوم يرثي المجتمع الفني المعلم العالمي مروان قصاب باشي، لكن قلب مروان كان يبكي فلسطين والعراق: «... ونحن على أبواب القرن الجديد وعجائبه الكاوبباوية البربرية من طيارات وصواريخ وأوروبا الكلب الصليبي المطيع للقارة الجديدة خلف محيط الظلمات في تنفيذ حقوق الإنسان على طريقة حقوق الأكراد في تركيا، وحقوق الشعب العربي في فلسطين وما أحلى حياة الكلاب عند أهل الشمال. ما أغبى الإنسان. عندما كان الرجال والنساء يسألون آباءهم لماذا صمتوا أو مشوا مع النازية، يأتي الجواب بأنهم لم يكونوا يعرفون... وأنا أقول لرجال اليوم أنتم تصفقون وتهللون (للقنابل والصواريخ الإنسانية في حرب الشرف والدفاع عن حقوق الأقليات الإسلامية المذبوحة) شأنكم شأن آبائكم من النازيين أو ممن ساروا معهم ببأس وحماس وفرح... أشعر يا عبد الرحمن بكثير من الغضب واليأس أمام وحشية أميركا والعالم الجديد» (رسالة مروان إلى منيف بتاريخ 25/4/1999).