تعود مسرحية «فيلم أميركي طويل» لزياد الرحباني الى الجمهور من خلال الشاشة الكبيرة، للمرة الأولى، بعد عرضها عام 1980 على مسرح «جان دارك». إنّه العمل الثاني بعد «بالنسبة لبكرا شو» الذي راهنت شركة M Media على مجهود ترميمه. ينقل العمل المسرحي يوميات مقيمين في مستشفى الأمراض العصبية في ضاحية بيروت الجنوبية خلال الحرب الأهلية. عوارضهم المشتركة، آثار الحرب الدائرة خارج جدران المشفى. يشكّل العرض السينمائي فرصة ثانية لمن لم يشاهد المسرحية أو يسمعها كاملة، فعادة بثّ مقاطع قصيرة أو جُمل من مسرحيات زياد على الإذاعات اللبنانية، أساءت إلى مضمون هذه الأعمال وقيمتها.

خاضت هذه المادة الخّام التي صوّرتها أيضاً ليال الرحباني شقيقة زياد، المسار نفسه التي خاضته «بالنسبة لبكرا شو» في رحلة الترميم في الصوت والصورة. لكن ظروف تقنية معيّنة أسهمت في أن تكون نسخة «فيلم أميركي طويل»، جيدة جداً – ودائماً مقارنة مع الحالة التي وجدت فيها – صوتاً وصورة، بحسب محمد حمزة من شركة «أم ميديا». يقول حمزة لـ «الأخبار» إنّ «المّادة أصلاً أحدث بسنتين، وظروف الإضاءة الأصلية للمسرحية وطريقة التصوير ساعدا جداً». وتابع أنّه ذهب بالمادة مرة جديدة إلى استديو رالف كسلر في ألمانيا للعمل على الصوت من جديد بعد الأخذ ببعض الملاحظات حول عرض «بالنسبة لبكرا...» التي حققت بدورها 155 ألفاً على شباك التذاكر في الصالات اللبنانية. مع التذكير بأنّ تصوير العملين كان لأهداف خاصة بزياد الرحباني بهدف مراقبة الأداء، ولم يكن مقرّراً يوماً عرضهما على الشاشة، إلى أن تمكن إيلي خوري من إقناع زياد بعد سنوات من المحاولة.

النسخة الكاملة من المسرحية، ستتوافر على موقع M media في وقت لاحق

لا تخلو هذه النسخة أيضاً من بعض اللحظات القصيرة التي تسوء فيها حالة الصورة أو الصوت، لكنها أيضاً تعطي صورة عن المجهود الذي بُذل لإنقاذها وتقديمها نسخة متكاملة لا كاملة، لأنها نسخة 100 دقيقة مخصّصة للعرض السينمائي. وأكّد محمد حمزة أن هذه النسخة المخصصة للشاشة الكبيرة، لا تؤثر بدورها في مجرى القصة وهي تمّت بإشراف زياد الرحباني. علماً أن زمن المسرحية يقارب ساعتين وربع الساعة، وهي ستتوافر كنسخة كاملة على موقع «أم ميديا» لاحقاً.
شخصيات هذه المسرحية تعيش بدورها الحرب التي تدور خارج المستشفى، ليست منفصلة عنها لا بفعل الجدران، ولا بفعل جلسات العلاج أو الأدوية. لكن في الحرب المشتركة، لكلّ همّه: أستاذ عبد، أستاذ جامعي مهووس بكشف أسباب الحرب، يحاول ترتيب الأحداث والأسباب من بدايتها بشكل منطقي. نزار ابن الحركة الوطنية، بدوره لم يعد يفهم شيئاً، اختلطت عليه الأمور بعدما وجد نفسه في «نفس الخندق مع الرجعية العربية» التي كانت تموّل «حركات التحرّر العربي». أبو ليلى وعمر يجدان في التأهيل من المخدرات واقع الحرب الأكثر تضليلاً من المخدرات نفسها، وزافين الأرمني الذي أصبح معروفاً لدى الجمهور باسم «ستيريو» أيضاً، تائه في هويته وانتمائه في عزّ أيام طلب الهوية وإثبات الانتماء. قاسم المتوجّس القلق من العبوات المتنقلة والرصاص الذي لا يهدأ، ادوار تركبه فكرة أنّ المسلم يريد التخلّص منه، هاني الخنوع الفاقد لشخصيته على حواجز الميليشات، والممرّضات والموظفون والطبيب النفسي الذين يشاركون المرضى يومياتهم ويشرفون على علاجهم، لكلّ من هؤلاء أيضاً صلة ما مع ما يدور في الخارج.
في المجريات، تحاول هذه الشخصيات أن تخوض نقاشاً في العام وفي التفاصيل، حول الحرب والانقسام والأسباب، لنكتشف أن هذا الجدل لم يختلف بين الأمس واليوم، حملته الأجيال الأخرى، بالحجج والبراهين والروايات والتحليلات نفسها.
يلفت زياد الرحباني (رشيد) الى انتهازيي الحرب والمستفيدين منها بدءاً من زعيم الحيّ أو مسؤول المنطقة كما يسمّى في قاموس الحرب، أي «أبو الجواهر». تنشط المصالح الصغيرة والكبيرة خلال الصراع اليومي الدائر، فتزدهر محلات اللحم بعجين والبليار، بينما المدافع منصوبة والمناطق مقسومة، والشباب يدافع عنها ويموت، والليرة «ما أحلاها بتقطع من هون لهونيك».
يقدّم الرحباني أيضاً واحدة من أولى المراجعات لدور الأحزاب اليسارية والتقدميّة أو تلك التي صنّفت نفسها «وطنية» آنذاك من خلال نزار ابن الحركة الوطنية. الجدل حول «الوطنية» أيضاً مستمر إلى اليوم.
من الناحية الفنية، يظهر تصوير المسرحية قدرات جميلة لدى شخصيات صعدت الخشبة للمرة الأولى، أو كانت في بداية مشوارها، وتذكّر مرة جديدة بأهمية ما قدّمه الراحل جوزيف صقر للمسرح والموسيقى.
أما الممثلون فهم: جوزيف صقر (أبو ليلى) بطرس فرح (قاسم)، بيار جمجيان (الحكيم)، رينيه الديك (سيدة)، منى سعيدون (عايدة)، ابراهيم جابر (فرج)، كارمن لبس (نجاة)، توفيق فروخ (عمر)، محمد كلش (نزار)، جمانة نعماني (زهرة) ، لميا أبو شقرا (فاطمة)، فؤاد حسن (فواز)، رفيق نجم (عبد الأمير)، غازاروس التونيان (زافين)، سامي حوّاط (هاني)، زياد أبو عبسي (إدوار)، وأخيراً زياد الرحباني بدور رشيد وهو المؤلف الموسيقي والكاتب والمخرج للعمل.