«تجري أحداث هذه المسرحية في شهر تشرين الأول 1980، أو تشرين الأول 1979، أو تشرين الأول 1978، حيث لم يتغيّر إجمالاً الوضع السياسي النفسي العام». تلك كانت الجملة الأولى في مسرحيّة «فيلم أميركي طويل» التي قدّمت على خشبة «مسرح جان دارك» في بيروت. بيروت «الغربية» تحديداً. وفيها يؤدّي الراحل جوزف صقر أغنية زياد الرحباني الشهيرة: «يا زمان الطائفيّة»، ومنها: «شوف الليرة ما أحلاها/ بتقطع من هوني لهونيك». اليوم، جاء دور الفيلم الذي يتهافت اللبنانيون لمشاهدته منذ الخميس الماضي، بفضل رجل الإعلانات والصورة إيلي خوري الذي رأى قبل سواه أهميّة هذه الكنوز النائمة في أرشيف زياد الرحباني، فانتشلها من خطر الضياع والنسيان، وأعادها إلينا عبر «شركة إم ميديا». اليوم، بعد 36 عاماً، ونحن نستعيد على الشاشة الكبيرة هذه المسرحيّة الفذّة، المدهشة برؤيويّتها، نعرف الأمثولة: لم يتغيّر الوضع! بل ذهبنا إلى الأسوأ. تجري أحداث هذه المسرحيّة في مستشفى للأمراض العقليّة، في شهر تشرين الأوّل 2016، أو 2023، أو… لبنان كلّه عصفوريّة كبيرة، لا مكان فيها للعقل أو المنطق. تداخل العصبيّات والمصالح والارتهانات المشبوهة، يجعل من المستحيل وقف الدوران في الحلقة المفرغة. أي عصفوريّة هذا اللبنان يا زياد؟ المطعم الفخم يكتظّ بالزبائن، وتفيض طاولاته على الرصيف، فيما على الرصيف المقابل تتراكم تلال النفايات، وعطورها تغلّف الحي الراقي بالطمأنينة والنشوة. زبائن المطعم الفخم لا يرونها، سيمتطون بعد قليل سياراتهم الفاخرة، ويعودون، سعداء مطمئنين، كل الى قطيعه وحظيرته ومافياه وزعيمه. عصفوريّة 1980 كانت أفضل!

بين «فيلم أميركي طويل» المسرحيّة، والفيلم المأخوذ عن تسجيل فيديو لها، خضع لكل التحسينات التقنيّة الممكنة، تغيّر الوضع كثيراً. لم يعد هناك «غربية» و«شرقيّة» ربّما، وبتنا نعبر «من هوني لهونيك» على هوانا. غير أنّ الحواجز النفسية ترسّخت، والزواج المدني ممنوع، والنظام السياسي واصل انحطاطه. والتطهير «المذهبي» جار، ليس فقط في القوانين الانتخابية والأحوال الشخصيّة، بل في البيت والمدرسة والشارع والتلفزيون. هل شاهدتم قبل أيّام، على محطة لبنانيّة محترمة، هذا التوك الشو القميء مثل صاحبه الذي أتى بمصابين بسرطان الطائفيّة مثله، ليتشاتموا مذهبيّاً، فيتسلق البرنامج (والمحطة) سلّم «النجاح» الذي تحدده نسبة المشاهدة؟ لم يعد بوسع مواطن لبناني أن يعيش ـــ ولا نقول أن يتملّك أرضاً أو بيتاً ـــ خارج منطقة انتمائه الطائفي، القسري، الذي لا يحق له التخلّي عنه. أما الخوف فازداد أضعافاً، خوف هاني (سامي حوّاط) من الحواجز، وقاسم (بطرس فرح) من الانفجارات، لكننا صرنا بلا إحساس. لا نسأل. نعيش كالموتى لنتمكن من معايشة الموت. الشعب اللبناني بألف خير، شكراً. الشعب الذي «يفرد» (أي ينفرط عقده باستمرار إلى أفراد تحركهم همجياتهم المختلفة)، انتقل من عبادة الليرة إلى عبادة الدولار. الحدود باتت غير منظورة بين أجزاء الوطن، الكثيرة بعدد جماعاته المتناحرة. لو عاد زافين (غازاروس ألطونيان) من منفاه الكندي، لاكتشف أن «الستيريو» مرّ عيله الزمن… صرنا في نظام الـ surround، أو الـ«دولبي 5.1»! «هي بلد؟ لأ مش بلد! قرطة عالم مجموعين لأ، مضروبين لأ، مطروحين لأ، مقسومين!». لم يختصر مبدعٌ بؤسَنا، منذ الاستقلال، كما فعل العبقري زياد الرحباني في «فيلم أميركي طويل»!
هل نواصل قياس المسافة التي تفصل المسرحية عن الفيلم الذي يهرع اللبنانيون لمشاهدته، كي يضحكوا من أنفسهم، ويتطهروا من أمراضهم الجماعيّة وجراحهم السريّة. في عام 1980، كانت بيروت عامرة بالمسارح. بعد 36 سنة، مسرح «جان دارك» اختفى والـ«بيكاديللي»، تسكنه الأشباح، يتآكل وينهار بصمت في انتظار برابرة المقاولات والاستثمارات العقاريّة، وهم ليسوا سوى حكامنا وشركائهم. «أحداث حوادث لبنانية… طلع لبنان الجديد لحم بعجين»، وهذا جنّن رشيد (زياد الرحباني) الذي لم يفهم كيف خان «أبو الجواهر» القضية والمناضلين… الكباريه الحريري، منذ ذلك الوقت لم يحمل السلام الموعود، لكنّه راكم الديون، وصحّر البلاد، فرّغها من الثقافة والحضارة والفكر والمستوى الأكاديمي، لتعمّ البزنسة والأميّة والتطرّف، وإذا بلبنان ما بعد الجديد، صار أكثر من «لحم بعجين». انظر(ي) الملاهي، والمحطات التلفزيونية، والعمارات الشاهقة التي تقضم المدينة، والاستثمارات المشبوهة، و… المربّعات الأمنيّة. كان الأجدر بك أخي رشيد أن تبقى هناك في عصفوريّة الثمانينيات، حيث كل شيء أجمل، مثل المسرحيّة التي نشاهدها الآن بالأبيض والأسود، محفوظة بفورمول المرحلة. كانت هناك «حركة وطنيّة»، على علّاتها، تسيطر على 84 بالمئة من الأراضي اللبنانيّة، كما يذكّر الرفيق نزار (محمد كلش) الذي جنّنه أنّه لم يعد يفهم في السياسة أكثر من جارته الحجّة. ولم يهضم فكرة أنّنا «صرنا نحن والأنظمة الرجعية بنفس الخندق». سقا الله أيام كان اليساري الخائب أو المخذول، يُجنّ من الشرخ بين النظريّة والممارسة. اليوم ينتقل برشاقة «جدليّة» إلى خندق القوى المهيمنة، والنظام العالمي الجديد، أو يصبح من أعيان الطائفة والعشيرة، أو من ثوار الانجي أوز.
ألهذا ترانا ونحن نشاهد الفيلم، نحنّ إلى عام 1980 عندما كانت الأمور، على تعقيداتها، أكثر بساطة، والصراع أكثر وضوحاً، و«المؤامرة الأميركيّة» تمكن رؤيتها بالعين المجرّدة (لم يكن ظهر بعد كتاب جيمس ستوكر «ميادين التدخّل: السياسة الخارجيّة الأميركيّة وانهيار لبنان، ١٩٦٧ ــــ ١٩٧٦» الذي يعرضه الزميل أسعد أبو خليل هذه الأيّام في «الأخبار» وسط حالة من اللامبالاة العامة، والكوما الوطنيّة العظيمة). لو عاد اليوم البروفسور عبد الأمير (رفيق نجم) أستاذ المنطق الباحث سدى عن «المؤامرة »، ورأى كيف «تتفرّع» المؤامرة الآن، لترحّم على تلك الأيّام، وتوضّحت له الرؤية، وتمكّن من إنجاز كتابه، بل وشفي من جنونه. حتى الحشاشان أبو ليلى (جوزيف صقر) وعمر (توفيق فروخ)، كانا في أيّامنا سيصبحان من النجوم، لأن أسباب «التسطيل» تعمّمت، وفضاءاته باتت أكثر ترفاً.
بقي إدوار. ماذا نقول عن إدوار؟ في العرض الخاص للفيلم مطلع الشهر الحالي، في أسواق بيروت، لاحظنا أن شخصيّة إدوار التي يؤديها بواقعيّة مدهشة زياد أبو عبسي، لم تكن تُضحك أحداً. كلّما عبّر عن ذعره من «المحمودات»، كان يسود وجوم في الصالة! فإما أن المشاهدين في معظمهم مسكونون بالرهاب نفسه الذي يفتك بدماغ إدوار، ويعتبرون ما يقوله طبيعيّاً، وإما أن الجماعات المذعورة لم تعد تثير ضحك الجمهور، بل الشفقة في أفضل الحالات، لئلا نقول إنها تستدرج هذا الجمهور إلى التماهي معها. إنّه زمن المذعورين. «زمان الطائفيّة وطائفيك» بلغ الآن أوجه. ما كان كامناً في العقل الباطني، نخفيه كمرض ونخجل به، بات موضوع مفاخرة ومجاهرة وأمراً في منتهى الطبيعيّة. «المسيحيّي (الـ) خايفين يا خيّي»… «من المحمودات»، بماذا تراهم يشعرون اليوم؟ لقد تحققت «رؤيا» إدوار كما في أسوأ كوابيسه. في هذا الربيع اللطيف، ازدادت جماعة إدوار خوفاً من «المحمودات»، ولم يعد خوفهم مضحكاً. هنا أيضاً ستوجعكم ضحكاتكم لدى مشاهدة الفيلم. في عصفوريّة 1980، كانت الأمور أجمل: كانت هناك بارانويا انعزاليّة من «المسلمين»… رزق الله! اليوم في «زمان المذهبيّة» تشعّب الخوف أكثر، وتجذّر التعصّب وتعمم. ألم أقل لكم إن الثمانينيات كانت أرحم. لقد قام زياد الرحباني يومذاك، من خلال مسرحيّته الهاذيّة، بنقد الوعي الطائفي الذي ينتقل بلحظة من نزلاء مستشفى الأمراض العقليّة، إلى الممرضات والممرضين والطبيب. قدّم لنا أوّل محاولة جادة وموجعة لنقد الحرب وخطابها، ونقد أخطاء القوى اليسارية عندما كانت في أوج شعبيّتها.
في بيروت ،2016 نستعيد «فيلم أميركي طويل»، مبتوراً للأسف (حذفت من الشريط، مشاهد أساسيّة في السياق الدرامي والذاكرة الجماعية: رشيد «ملك الساحة اللبنانية ع بياض»، وموعده مع (الرئيس إلياس) «سركيس» لكشف المؤامرة، «ما في ١٦٠ بالميّة حكيم»...). نستعيد العمل، لنكتشف كم تراجعنا، وكم ازداد الخراب، وتعاظمت الانهيارات، وضاعت البوصلة السياسيّة. ربّما لأننا لم نسمع رشيد بما فيه الكفاية. ولم نصدق نزار، ولم نفكّر مع عبد الأمير. ولم نضحك كفاية من «الإدوار» القابع في أعماق كل منّا. كم كانت جميلة عصفورية ١٩٨٠. «قوم فوت نام وصير حلام إنو بلدنا صارت بلد»! ترى يا زياد، كيف «ستصير» «البلد» بعد 36 عاماً؟