الحديث مع الفريق التمثيلي في «فيلم أميركي طويل» لا يوحي بأنّ الأمس يشبه اليوم، بل إنّ اليوم أسوأ من الأمس بكثير، كأنّ الحرب بضراوتها كانت لا تزال أكثر عطفاً من هذه الأيام.

تقول كارمن لبّس إنّ التمثيل كان حلماً تحقّق من خلال «فيلم أميركي طويل». يومها، كانت صغيرة، ذهبت إلى تجربة الأداء وانطلقت المغامرة. أحدهم أخبر والدها في السعودية، أنّ ابنته تعود عند منتصف الليل. تقول «كان التمثيل بالنسبة إلى والدي من المحرّمات». ولولا تدخّل عمّها، لما أكملت وصعدت على خشبة المسرح. وعن المسرحية، تقول لبس إنّ زياد يتناول «وجهات نظر أشخاص وصلوا إلى ما وصلوا إليه بشكل سلس وذكي». وتضيف أنّ هذا العمل ينبغي أن يدرّس لأن قصة كل واحد من الشخصيات، تلخّص الحرب الأهلية. وتختم أنّ «أكثر شعب مريض اليوم هو الشعب اللبناني بسبب كمية التوتّر التي يعيشها. حالة العصبية العالية الموجودة هي نتيجة الحرب وما بعدها».
منى سعيدون (عايدة) خاضت تجربتها الأولى أيضاً على خشبة المسرح، وحصلت على دورها بالصدفة. كانت تسأل عن عمر فرّوخ (عمر) وعصام الحاج علي في القنطاري. التقت بزياد وعرض عليها الدور. جوابها الأول كان «أنا ما بعرف مثّل». تقول إنّ الدور التي حصلت عليه كان صغيراً في البداية، لكنه أخذ حجماً أكبر مع العروض. تتذكر العرض الأول: «كنت مبسوطة وخايفة. قلت لزياد ما بعرف إحكي». تتذكر من الحرب أن المسرحية جعلت الجوّ بين الممثلين حميماً: «كنا نبقى في المسرح في حال بدأ القصف». لكن الأجواء بين الجمهور لم تكن دوماً حميمة، لأنه كان ينقسم أحياناً بحسب المشهد.
تقول منى إنّ شخصيات هذه المسرحية كانت موجودة آنذاك في دار للعجزة حيث بحث زياد الرحباني برفقة طبيب من آل لبّان عن أبطال مسرحياته. وتضيف أنه حتى شخصية رشيد وبعض كلماته كانت موجودة في هذا المأوى أيضاً واستمعت إليها مع زياد وباقي الممثلين.
عن شخصية هاني، يقول سامي حوّاط إنّها «شخصية الآدمي، الذي يحاول تفادي المشاكل»، حتى في المرة الوحيدة في المسرحية التي فكر فيها هاني بالانتفاض، غيّر رأيه. يفضّل سامي أن لا يتكلّم عن أعماله التي مضت، يكتفي بالقول إنّها كانت أياماً جميلة، و«كان الجوّ السياسي يجمعنا، اليوم لا شيء يجمع»، موضحاً أنّ من لم يعش تلك المرحلة، لن يفهم عمَّ نتكلّم. بطرس فرح (قاسم) قال إنه رغم الحرب، أتى الناس لمشاهدة المسرحية يومها. وعن قاسم الذي أدّى دوره، يقول: «كان مصاباً بالنقزات كإدوار المسكون بالمحمودات».
بدأت علاقة ابراهيم جابر بزياد بحكم الجيرة. كان يسكن في المبنى نفسه في القنطاري، حيث سكن زياد بعد انتقاله من انطلياس. يقول: «كنت أعمل أيضاً كـ «بارمان» في البار نفسه الذي كان زياد يعزف فيه كل ليلة مع توفيق فرّوخ. في هذا البار، كتب زياد «بالنسبة لبكرا شو»، وعرض عليّ أن ألعب دوراً فيها. لاحقاً طلب مني أن ألعب دوراً في «فيلم أميركي طويل». يقول: «العرض السينمائي أعادنا 35 سنة إلى الوراء. ذكّرنا بأناس كانوا يملكون موهبة، بعضهم كان يمثلّ للمرة الأولى». ويضيف أنّ ما قاله زياد في المسرحية كان صحيحاً مئة بالمئة، وما زال صالحاً إلى اليوم. عزف ابراهيم جابر على الطبلة والرقّ في موسيقى «فيلم أميركي طويل»، وبعدها غادر لبنان إلى فرنسا وعاد بعد حوالى عشر سنوات، وعمل مع زياد على موسيقى «بخصوص الكرامة والشعب العنيد».
من جهته، عمل غازاروس التونيان في بداياته مع مسرح الرحابنة، وكان يتردد على زياد الابن بشكل دائم. وفي إحدى المرات، أسرّ زياد له بأنه يكتب عملاً مسرحياً، وطلب منه الانضمام، ووافق غازاروس على الفور. يعلّق: «بدأت أتردد إلى العروض الأخيرة من مسرحية «سهرية». بعدها، عملت معه «في بالنسبة لبكرا شو» التي لاقت نجاحاً كبيراً. وبعدها كان كل سنتين تقريباً، يعطيني دوراً جديداً».
ويضيف أن «رؤية زياد الرحباني للوضع من خلال نصوصه أذهلته، فهو تنبأ بالحرب قبل أن تحدث. كان يقول الأشياء على حقيقتها، ولم يتغيّر شيء حتى يومنا هذا». يستشهد غازاروس بكلام «نزار» في المسرحية، «يعني كيف ذهب نزار لمقاتلة اليمين، فوجد نفسه واليمين في نفس الخندق» ويضحك. يقول إنّ «زياد كان ولا يزال ربما، يدرك بأن الوضع لن يتحسن في لبنان. هذا بلد لا مكان فيه للثورات أو الانقلابات أو لأي تغيير منشود. للأسف إنّ كل المطالب والحركات التي يقوم بها جيل اليوم، ستكون بلا جدوى، أولادنا كبروا في الفوضى والمافيات والفساد».