«لقد حان الوقت للانتقال من الكلام إلى الفعل، ونحن جاهزون لمواكبة العصر». بكلمات واثقة أعلنت ماريا إيفانوفا عن الدورة الأولى من «مهرجان السينما الروسيّة في لبنان» الذي انطلق أمس في أسواق بيروت ويستمرّ حتى 28 تشرين الأول (أكتوبر). التنظيم لشركتها Buta Films، بالتعاون مع المركز الثقافي الروسي في بيروت، وبرعاية وزارة الخارجية الروسية وسفارتها، إضافةً إلى وزارتي الثقافة والسياحة اللبنانيتين. مديرة المهرجان أكّدت في مؤتمر صحافي أنّ الحدث الوليد هو «المشروع الأول من سلسلة من المبادرات الشرق أوسطية التي نخطّط لتنظيمها، وسنستمر في إقامة مناسبات رائعة وواسعة النطاق في روسيا أيضاً». «خمس سنوات في خمسة أيام» تحديد زمنيّ لـ 12 عنواناً من السينما الروسيّة المعاصرة خلال فترة المهرجان. النوعيّة تراوح بين الروائي والتسجيلي والأنيماشن القصير، بين أفلام المهرجانات، وتلك التي لاقت رواجاً في شبّاك التذاكر. هذا قسم آخر من الكوكب يجد في بيروت رئة للتنفّس. إنّها كوزموبوليتان السينما، التي لا تودّع أسبوع أفلام ألمانياً حتى تستقبل آخر روسياً، وقريباً ايبيرياً (28/10 ـــ متروبوليس أمبير صوفيل).

لا ينفصل السياسي عن الفني في قراءة حدث مماثل. روسيا لم تعد دبّاً يتسوّل القمح في عالم اليوم. هذا يتطلّب توسّعاً ثقافيّاً بالتوازي مع الانتشار البحري الأكبر منذ الحرب الباردة، وموطئ القدم في المياه الدافئة. هكذا، سمّت الحكومة 2016 عام السينما بوثيقة رسميّة، تنصّ على دعم وحماية صناعة السينما المحلية، وتشجيع عروض الأفلام الروسيّة، وإقامة «أكاديمية أوراسيا للفيلم»، علاوةً على مهرجان بالاسم نفسه. سبقها تأمين مستثمر لاستوديو «موسفيلم» الشهير (تأسّس عام 1920)، مع 500 مليون دولار لدعم بنيته التحتيّة. سنرى ثمار ذلك عام 2018. انتعاش القرن الحادي والعشرين نجح في ترميم انهيار ما بعد بيريسترويكا غورباتشوف، وتفكّك الاتحاد السوفياتي إلى حدّ كبير. صحيح أنّ الإعانات مالت نحو السينما التجارية بهدف إعادة الأموال، إلا أنّ ذلك لم يمنع أندريه زفياغينتسيف، وألكسندر سوكوروف، وأندريه كونتشالوفسكي، وأليكسي غيرمان الابن من التوهج مراراً. ذلك أنّ الروس اعتبروا الأفلام خير وسيط تعبوي وأيديولوجي (Agit Film)، مذ عرفوها بفضل الأخوين لوميير في أيار (مايو) 1896. لينين أدرك أنّها «أهمّ الفنون بالنسبة لنا»، ووقّع مرسوم تأميم قطّاع السينما في 27 آب (أغسطس) 1919. تلا ذلك كسر التابوهات، والاهتمام بالإنسان ككينونة قائمة بحدّ ذاتها. إذاً، المهرجان يصبّ في نهر متعدّد الأعماق والطموحات: «سيذهب هذا المهرجان الروسيّ إلى أبعد من المهرجانات التقليدية المسلّية، ليقدّم تجربة ثقافية وتعليمية تقوّي العلاقات الروسيّة اللبنانية، وتساعد الجمهور اللبنانيّ في الوصول إلى فهم أعمق للثقافة والتقاليد الروسيّة. تؤمن شركة Buta Films أن الفنّ والثّقافة يؤديان دوراً أساسياً في العلاقات السياسية والاقتصادية والتعليميّة بين البلدين، فإن المهرجان بالتالي هو الخطوة الأولى نحو تعزيز هذه الروابط وإثراء التّواصل ما بين الناس». ماريا إيفانوفا أكّدت ذلك، بحضور السفير الروسي ومستشار وزير الخارجيّة للعلاقات اللبنانّية الرّوسيّة، إضافةً إلى المعنيّين بالمهرجان والشأن الثقافي.

نيكولاي ليبيديف يستخدم تقنية IMAX ثلاثية الأبعاد للمرّة الثانية بعد «ستالينغراد» (2013)

الليلة سنكون على موعد مع جديد آنا ميليكيان «عن الحب» (2015 ــــ س:21:30 ــ متروبوليس أمبير صوفيل)، الذي خطف الجائزة الكبرى في Kinotavr (المهرجان الوطني الأضخم في روسيا). السينمائية الأذربيجانية (1976) تنجز أنطولوجيا رومانسية في رابع أفلامها الروائية الطويلة، الناتج عن تطوّر فيلمين قصيرين: «عن الحب» و«عن الحب 2». 5 قصص في موسكو «الأنيقة والمضيئة»، تجمعها محاضرة عن الحب على لسان إحدى الشخصيات. ميليكيان تلميذة سيرجي سولوفيوف وفاليري روبينشك. كثيراً ما لجأت إلى «الواقعية السحرية»، لتحقق جوائز مرموقة في «كليرمون فيران»، و«ساندانس» و«برلين». عناوين شبّاك التذاكر الناجحة تتواصل مع «الطاقم» لنيكولاي ليبيديف. السينمائي المولدافي (1966) يعيد صنع أول شريط كوارث سوفياتي، حققه ألكسندر ميتا عام 1980 بعنوان Air Crew يعرض الليلة (س:19:00). يستخدم تقنية IMAX ثلاثية الأبعاد للمرّة الثانية في السينما الروسيّة بعد «ستالينغراد» (2013) لفيدور بوندارتشوك (ابن سيرجي الشهير). يرافق طيّاراً مطروداً من الجيش إثر عصيانه أحد الأوامر، خلال عمله في شركة ملاحة مدنيّة. تقع كارثة في المطار، فيحاول مع رفاقه إنقاذ عشرات الأرواح.
4 أفلام قصيرة ستعرض يوم 26 تشرين الأول: «الاستماع إلى بيتهوفين» (س:18:00) أنيماشن جديد للروسي غاري باردين (1941). في تمجيد الحريّة، يلجأ إلى كثير من الموسيقى كما اعتاد عبر الفيلموغرافيا. عشاق الأسطورة الألماني على موعد مع السيمفونية السابعة ومقطوعات أخرى، سجّلتها الأوركسترا الوطنيّة الروسية تحت قيادة ذائع الصيت فلاديمير سبيفاكوف. باردين يتولّى تحيّة الوداع في المهرجان من خلال الأنيماشن الطويل «البطة القبيحة» (2010 ـــ 28/10 ـــ س:20:15 ــ ختام المهرجان)، المأخوذ عن قصة الدنماركي هانز كريستيان أندرسن (1805 – 1875). الميوزكال الكوميدي ينتصر للاختلاف وقبول الآخر، من خلال بيضة كبيرة يعثر عليها ديك خلف سور الفناء. في «لا نستطيع العيش من دون الفضاء» (2014 ــ س:18:30)، يغوص الروسي قسطنطين برونزت (1965) داخل حلم رائدي فضاء، يتحضّران للانطلاق بعد شهر من التدريب. الشريط وصل إلى ترشيحات أفضل أنيماشن قصير في الأوسكار الفائت. سيرجي بيكالوف خبير في التلفزيون، إلا أنّه يقدّم باكورته السينمائية في «الناجي الأخير» (2014 ــ س:20:00). يعاين يوميات عجوز وحيد في عزلة باردة. لا أنيس سوى صوت ثلاجة عتيقة (أناه النفسي alter ego)، وصبيّ يجلب له الخبز والحليب. أخيراً، يقرّر تشغيل التلفزيون، فيسمع خبر وفاة من يفترض أنّه الناجي الأخير من الحرب العالمية الثانية. الروائي القصير نافس على سعفة الفيلم القصير في «مهرجان كان»، وحصد «القط الذهبي» كأفضل شريط أجنبي في «مهرجان إزمير الدولي للفيلم القصير 2014». بسينماتوغرافيا الأبيض الأسود، اختار كل من رسلان فيدوتوف وألكسندرا كولاك التقاط الوثائقي «سالامانكا» (س:21:00). تاريخ عائلي ملتبس ينساب عبر السنوات، ومن خلال عيون أصحابه المحدّقة في العدسة. الروسي النشيط ألكسندر كوت (1973) يصل بالروائي الطويل «اختبار» (2014 ـــ 26/10 ـ س:22:00). تلميذ أندريه فايدا يفتح القوس ويغلقه على مثلث حبّ بين فتاة وشابّين في سهل هادئ. والدها ليس من أصحاب الطباع الهادئة. المكان المشمس عرضة لزلازل نفسيّة وحقيقيّة. الفيلم نال جوائز دوليّة عدّة، منها لجنة التحكيم الخاصّة في «مهرجان أبو ظبي السينمائي 2014».
في 27 تشرين الأول، تلتحق «روسيا اليوم» بوثائقيين: «نحب غزة» و«ركض حرّ بين الركام في قطاع غزة» (س:18:30) لألكسندر بانوف عن قطّاع غزّة ما بعد عدوان 2014. داخل «السجن الأكبر في العالم»، ينشط فريق «غزة باركور». شباب يمارسون رياضة الباركور في المقبرة، وفوق الأبنية المهدّمة. يجدون الحريّة المفقودة في القفز والشقلبة من شبه طابق لآخر. «حربها: نساء ضد داعش» (2015 ـــ س:19:30) لأنستازيا تروفيموفا، عن كرديّات رفضن الخوف من التنظيم المتوحش. التحقن بـ «وحدات حماية الشعب» للدفاع عن القرى والبيوت. في عرض أول، تشارك مديرة المهرجان ماريا إيفانوفا بالوثائقي «الفارّون من الحرب» (27/10 ــ س:20:30)، الذي أنجزته مع نيكولاي فيكتوروف عن مآسي اللجوء السوري. كذلك، تضمّ البرمجة جلسة أسئلة وأجوبة وصفوفاً للمحترفين، يحاضر خلالها ضيوف من روسيا. أما الختام فسيُقام بمرافقة موسيقيّة حيّة لأليكسي آيغوي وفرقته.

* «مهرجان السينما الروسيّة في لبنان»: بدءاً من اليوم حتى 27 تشرين الأول (أكتوبر) ـ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية) ـ russianlebanon.com