أول من أمس، كنّا على موعد مع شوقي بغدادي في ندوة «كاتب وموقف» التي يديرها عبد الرحمن الحلبي منذ نحو ثلاثة عقود وتبثّها «إذاعة دمشق» أسبوعياً (8:20 مساء السبت). أتى الشاعر التسعيني (1928) متأخراً إلى القاعة (المركز الثقافي العربي ــ أبو رمانة).
نسينا الفرنسية وربما علينا أن نتعلّم الروسيّة (ش. ب)
كان محنيّ الظهر قليلاً، لكنه لم يفقد حيويته الفكرية وسخطه الشعري. اختار «الرحّالة كاف» عنواناً لإحدى قصائده الأخيرة، معرّجاً على سيرة عبد الرحمن الكواكبي وكتابه «طبائع الاستبداد» كي يستعيد صورة حلب تحت الجحيم. ليست هذه القصيدة مفردة، إنما هي واحدة من قصائد أخرى كتبها الشاعر في ديوان لم يصدر بعد تحت عنوان «جمهورية الخوف». استلَّ صاحب «البحث عن دمشق» نتفاً موجعة من ذكرياته، بوصفه «رجلاً طائشاً بعض الشيء»، ومفتتحاً سيرته بالسجن ومطاردة الشيوعيين زمن الوحدة السورية المصرية، وكيفية اعتقاله في عهد جمال عبد الناصر، ورجله القوي في سوريا عبد الحميد السرّاج، ثم هروبه إلى لبنان وإعادة اعتقاله على الحدود في فترة الانفصال بتهمة الشيوعية: «كانت نشأتي الأولى إسلامية ثم لا دين ولا دولة».

في محطة أخرى، توقّف عند عمله في التعليم، وكيف كانت سلطات الانتداب الفرنسية تجبر التلاميذ على الحديث بالفرنسية «نسينا الفرنسية، وربما ينبغي أن نتعلّم الروسية». أنجز شوقي بغدادي خلال مسيرته الشعرية نحو 14 ديواناً، افتتحها بكتابه الشعري الأول «أكثر من قلبٍ واحد» (1955)، بالإضافة إلى كتابة القصة والرواية: «لا أكتب إلا عندما أكون قلقاً. ولا أُخدع بالمغامرة الشعرية التي تقطع الصلة بالماضي» يقول. سيغمز لاحقاً من أدونيس ومن حداثته التي تبدو مثل «معادلات هندسية»، منوهاً في المقابل بأنه «لا ينبغي أن نحمل التراث كاملاً على ظهرنا». قبل أن يغادر القاعة، اختتم قائلاً «ربما لن نجتمع مرّة أخرى». لكن أصدقاء شوقي بغدادي سيجدونه في موعدٍ أسبوعي ظهيرة كل اثنين في «نادي الصحافيين» بكامل ألقه وحيويته وخزانة ذاكرته المحتشدة بالوقائع والغضب والسخط.