أثار إعلان «المسرح الوطني الإسرائيلي» نيته عرض مسرحية «قصة بسيطة» في المركز الجماهيري داخل مستوطنة «كريات أربع» قرب الخليل، غضب عدد كبير من الأكاديميين والفنانين الإسرائيليين المحسوبين على ما يسمّى «اليسار». وفق تقرير لصحيفة «هآرتس»، يعتبر الداعون لإلغاء العرض أن وجود المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، احتلالاً وفق «المعايير والشروط الدولية». ولذلك لا يجب إقامة نشاط فني داخل مستوطنة، بل إنهم طالبوا بسنّ قانون إسرائيلي يجرم الأنشطة الثقافية داخل أراضٍ محتلة. علماً أن هؤلاء «اليساريين» (ايديولوجياً) لا يعتبرون الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948 كذلك، بل يعتبرونها بلادهم!
تقديم محفزات ماليّة لكل مسرح يقيم أنشطة فنية داخل المستوطنات

«قصة بسيطة»، يمكنها أن تكون أبسط من قراءة اسم المسرحية نفسه، فهي تدخل في سياق المناكفات السياسية بين «اليمين» الصهيوني، و«يساره» حيث لا فرق بينهما في أمور كثيرة، أقله كيف يحشر هؤلاء أنفسهم في صف اليساريين في حين يحتلون أرض غيرهم. رافضو العرض المسرحي داخل المستوطنة اعتبروا أن «المسرح الوطني الإسرائيلي» (هبيما) أعلن موافقته تحت تهديد وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية، ميري ريغف، التي وقعت في نيسان (أبريل) الماضي قراراً يقضي بتقديم محفزات ماليّة من الحكومة تصل إلى نسبة 10 في المئة لكل مسرح إسرائيلي يقيم أنشطة فنية داخل المستوطنات، وخفض ثلث ميزانية كل مسرح يرفض ذلك. أمر دفع بجمعية «حقوق المواطن» الإسرائيلية أخيراً إلى تقديم التماس للمحكمة «العليا» في القدس المحتلة لإعادة النظر في قرار الوزيرة.
الاحتجاج على عرض المسرحية في المستوطنة، جاء في أعقاب تعليق كتبه أحد أكبر المحاضرين في الأدب العبري في جامعة «بن غوريون» في مدينة بئر السبع المحتلة، حاييم فايس، على صفحته على فايسبوك، قال فيه إن «روح القائد نشطة، ويبدو أن الخوف من تهديدات ريغف العلنية والخفية يفعل فعله»، مضيفاً إن «موافقة «هبيما» على عرض مسرحية في مستوطنة يدخل في إطار التطبيع الثقافي مع الاحتلال». وطلب من القائمين على المسرحية من فنانين ومسرحيين إلغاء العرض الذي سيجري في العاشر من الشهر المقبل، داخل ما وصفه «إحدى أكثر المناطق التي تعتبر وصمة عار على جبين إسرائيل حيث يقيم فيها عنصريون متطرفون».
بعد منشور فايس، انهالت ردود فعل حادة من قبل الإسرائيليين على صفحته، إذ علقوا ضده قائلين: «لقد اشترينا التذاكر وسنشاهد المسرحية في كريات أربع». في المقابل، انضم إليه عدد من الأكاديميين والفنانين الإسرائيليين، معبرين عن تضامنهم، وعلى رأسهم المخرجة الإسرائيلية، دينا تسيفي ريكليس، التي كتبت: «في 10 تشرين الثاني (نوفمبر)، سيفرض حظر تجوّل على الخليل لأن المسرح قادم إلى المدينة. ذكروني كم يهودياً يعيش هناك؟ وكم جندياً إسرائيلياً فاقداً للإنسانية يعيش هناك؟». أما الموسيقية شوش رويزمان، فكتبت «هذه ليست قصة بسيطة أبداً أن تعرضوا مسرحيتكم في الخليل».
يهوشع سوبول، الذي يعتبر واحداً من كبار الفنانين الإسرائيليين، الذي أخرج مسرحيتي «تحطم» و«الحبيبة التاسعة» اللتين ستعرضان على خشبة «هبيما» في الموسم المقبل، احتج أيضاً على عرض المسرحية داخل المستوطنة، وقال لصحيفة «هآرتس» إن «احتجاجه ليس نابعاً من اعتبار العرض في أرض محتلة تطبيعاً، بل لأن ذلك يخالف القانون الذي ينص على عدم إقامة أنشطة فنية داخل مناطق محتلة» (لم يحدد إن كان قانوناً إسرائيلياً أو دولياً). وأضاف إن «الخليل وكريات أربع ليستا جزءاً من إسرائيل، ولذلك لا ينبغي إلزام مؤسسة إسرائيلية بتقديم عرض فيها... هناك العديد من الأماكن التي يمكن أن تعرض فيها المسرحية ولا يوجد أحد مضطر للذهاب خارج الحدود».
أما الوزيرة ريغف، فقد رحبت بإعلان «هبيما» قائلة إن «قرار المسرح الوطني الإسرائيلي عرض مسرحية في كريات أربع، يعتبر إنجازاً وإشارة إلى أنه يعتبر جميع المواطنين متساوين من ناحية الحقوق الثقافية». وأضافت أنها تدعم قرار المسرح ضد «استعراضات اليسار»، آسفة في الوقت نفسه أن «بعض الإسرائيليين يتصرفون كما لو أنهم أعضاء في حركة المقاطعة العالمية BDS».
بالفعل إن القصة ليست بسيطة أبداً، خصوصاً أنها يمكن أن تحمل في الحالة الإسرائيلية بعداً سيميائياً بحيث لا تتجاوز فقط اعتبارات الدراسات الأدبية المعهودة تجاه السرد والقصة والمسرحية على أنها ألفاظ لنقل الرسائل... فمسرحية «قصة بسيطة» للأديب اليهودي الأوكراني الأصل شموئيل يوسيف عجنون (1888-1970)، التي صدرت عام 1935، تروي تفاصيل حياة من الصراع النفسي (يا محاسن الصُدف) لشاب يهودي يعيش في قرية صغيرة في شرق أوروبا. تصوّر المسرحية الصراع بين الرغبات الشخصية والضغوط التي يفرضها المجتمع، إلى أن ينتهي المطاف بالبطل إلى الجنون وفقدان العقل. عجنون الذي حاز جائزة «نوبل» للآداب مع الكاتبة اليهودية السويدية الأصل نللي زاكس، ربما لم يكن يعرف حينها أن «قصة بسيطة» تأتي على مقاس المجتمع الإسرائيلي بالفعل. مجتمع يعجّ بالتناقضات والتعقيدات، حتى صار شبيهاً بمرض بطل مسرحيته التي قد تنتهي به إلى الجنون تماماً كما انتهت ببطله!