كانت أمسيّة الثلاثاء استثنائيّة في «مسرح المدينة». لعلّ الاحتفاليّة الغنيّة بعشرينيّة المسرح البيروتي العريق (وقد اختتمت أمس بإطلالة مميزة لسيدة المكان نضال الأشقر)، بلغت في الليلة ما قبل الأخيرة لحظة الذروة: شاهدنا عملين متعاقبين: «عين الشيطان» لهشام جابر ورفاقه، مع المغنية المصريّة مريم صالح، و«راسان بالإيد» لفرقة «زقاق». تجربتان على درجة عالية من النضج الفكري والجمالي، تفرّق بينهما اللغة المشهديّة والتوجّه والموضوع والأسلوب والمقاربة الدراميّة والعلاقة بالجمهور، وتجمع بينهما مشاغل أساسيّة لعلّها من صلب الحركة المسرحيّة الجديدة في لبنان. هذه الحركة الباحثة عن جذورها ومراجعها العربية والعالميّة، عن مكانها في قلب الحاضرة، في زمن صعب يقاوم التصحّر الثقافي، والتفتت الاجتماعي، وانحسار المشاريع النهضويّة. لسنا بوارد المقارنة بين العملين، لكن البرمجة وضعهتما في علاقة تجاور وتحاور، ودعتنا إلى الربط بن مشروعين جديين كلاهما ثمرة جهد ابداعي وتأمّل وبحث، ويمتاز بحساسية عالية، وقاسمهما المشترك اعادة الاعتبار للفرجة، واستعادة الصلة بالمشاهد ـــ المواطن الذي جاء ينفعل ويكتشف ويستمتع ويتذوّق و… يفكّر.

في «عين الشيطان»، يوجّه هشام جابر تحيّة إلى سيّد درويش، الآن وهنا، بأدوات جماليّة تظهر لنا «فنّان الشعب» كما لم نره من قبل. المخرج والممثل والكاتب المسكون بهاجس بناء فرجة شعبيّة، وإحياء الذاكرة الموسيقية والغنائية ضمن إطار «الكباريه» المعاصر، يبلغ هنا مرحلة متقدّمة من النضج في خلق علاقة تكامليّة متينة بين عناصر الفرجة. يأسرك في «عين الشيطان» الجانب البصري الذي يجمع التحريك وخيال الظل والكولاج، ببلاغته الجماليّة، وتناغمه الدقيق مع مضمون الأغنيات وسياقها، والسيطرة التقنيّة الفائقة على المشهد. وتتكامل عناصر «التمثيل» والماكياج والملابس والاكسسوارات والاضاءة، خصوصاً والسينوغرافيا، مع الشغل الموسيقي، وهو الأساس: اختيار طقاطيق وأغنيات محددة من تراث سيّد درويش (من مسرحه الغنائي: «رواية الباروكه»، «رواية قولولو»…) واعادة «قراءتها» بأسلوب مبتكر. العازفون/ المؤدون (مارك أرنست/ بيانو، وعماد حشيشو/ عود، وبشار فرّان/ باص إلكتريك، وأحمد الخطيب/ إيقاع) بلباس «البلْياتشو» (المهرّج)، يعطون للفرجة نكهتها. وتأتي طريقة التوزيع والاداء (مريم صالح مذهلة) والعزف والمناخات المشهديّة… لتخلق الانزياح المكاني والزماني. النتيجة مادة كلاسيكيّة، متجذّرة في اطارها التاريخي وسياقها السياسي والاجتماعي (ثورة ١٩١٩، والشيالين، والفقر، والغربة، والحرمان)، وأسلوب مطعّم بالغوتيك والبانك والباروك والسرياليّة والتجريبية، بأمانة كبرى لتراث سيّد درويش. هل يعرف هشام جابر أنّه قدّم عملاً «بوست مودرن» (ما بعد حداثي) بامتياز؟
مع «زقاق»، نذهب إلى المسرح الملحمي القائم على الأدوات الجماليّة الخاصة بالـ «المسرح السياسي»، أي التغريب ومخاطبة وعي المشاهد. «راسان بالإيد» عمل مركّب، يدعونا إلى دخول المختبر المشهدي، أو بالأحرى «المشرحة» الدراميّة. يكشف لنا كواليس اللعبة المسرحيّة ويتواطأ معنا على تفكيكها، في حركة ذهاب وإياب دائمة بين النص الشكسبيري واعادة تأويله، بين «ممثلي» الفرقة (مايا زبيب وجنيد سريّ الدّين ولميا أبي عازار، ساهم في الاخراج عمر أبي عازار) و«الشخصيات» التي يتقمّصونها أمامنا. ممثلو «الفرقة» هم سمّارنا وحكواتيو هذا العمل «الاحتفالي»، القائم على العلاقة المباشرة بين الخشبة والصالة. على المسرحة والتضخيم والأسلوب «الطبيعي» في استعمال الادوات والمواد والعناصر. معنا وأمامنا، يعيدون قراءة شكسبير بصفته كاتباً سياسيّاً، من زاوية «المجزرة» تحديداً: القتل والذبح والاغتصاب والتنكيل، أي العنف السلطوي، الطغيان والانتقام والاستئثار بالسلطة والانقلابات الدموية والمؤامرات ودسائس البلاط. يفككون الكاتب الإليزابيتي («تيتوس أندرونيكوس»، و«ريتشارد الثالث») بتقنيات بريختية. يسردون، ثم يجسّدون الحوارات والمونولوغات بطريقة مؤسلبة، ثم يعلّقون عليها. العلاقة بين وليام شكسبير وبرتولد بريخت ليست جديدة ـــ ألم يعد هذا الأخير كتابة «كوريولاينوس» بعد ٣ قرون؟ ـــ إنّهما يلتقيان على تفكيك آليات السلطات والاستبداد والطغيان. وها هي جماعة «زقاق» تجعل من شكسبير كاتب اللحظة العربيّة.
بلى، المسرح اللبناني بألف خير!