الجوقة الشعبية التي يديرها الحسين بِّيدْرَة مكونة من عازفين مبصرين. لكنهم يدّعون العمى للعمل في أعراس العائلات المحافظة التي ترفض دخول الرجال المبصرين إلى أعراسهم واستراق النظر إلى نسائهم وهن يرقصن. إذا كانت هذه هي القصة الناظمة لفيلم «جوقة العميان»، فإن حكايات موازية جعلت الفيلم الذي تتواصل عروضه في الصالات المغربية للأسبوع الرابع، تحفة سينمائية، تخرج عن واقع الإنتاجات الرثة التي تحبل بها قريحة بعض المخرجين المغاربة.


من الذاكرة الشعبية المغربية وسيرته الذاتية، أتانا محمد مفتكر بفيلم قوي، كما وصفه أكثر من ناقد سينمائي مغربي. فـ»جوقة العميان» من الأفلام النادرة التي أنتجت في السنوات الأخيرة وانتبهت إلى إمكانية صناعة سينما مميزة من دون الذهاب إلى العناوين والقضايا الكبرى. قصة تستمد تفاصيل من سيرة المخرج، وتذهب أيضاً في الخيال، لتحكي قدرة الموسيقى الشعبية على أن تكون نمط حياة وتعبيراً من أكثر التعبيرات أصالة عن وجدان طبقات مغربية.
هكذا، فإن الفيلم تكريم للأجواق الشعبية والنساء اللواتي اشتغلن فيها غناءً ورقصاً.
سارد الفيلم هو الطفل ميمو (إلياس الجيهاني)، ابن رئيس الجوقة الحسين بيدرة (يونس ميكري) الذي يطمح إلى تأليف أغنية «وطنية» تذاع على أثير الإذاعة الرسمية. عبر ميمو، نتتبع قصصاً مختلفة تحدث في الحي المحمدي في الدار البيضاء ومع أعضاء الجوقة الذين يقطنون بيتاً واحداً. هكذا يصير الفيلم رجع صدى لهذه الذاكرة الشخصية ولجيران الحي: من الشخصية التي يؤديها باقتدار محمد الشوبي المفتونة بفريق كرة القدم «الطاس» حد جعلها طريقة في الحياة، إلى شخصية محقق الشرطة مصطفى، عاشق الموسيقى الذي يمارس مهمة رجل الأمن صباحاً والعزف الشعبي ليلاً. دور أداه ببراعة الراحل محمد بسطاوي. استطاع الأخير بإتقان عودّنا عليه طوال مسيرته، اللعب على شخصية متناقضة تجمع بين الوداعة والتسلط. وكان دوره في الفيلم واحداً من آخر أدواره قبل أن يخطفه الموت السنة الماضية، ما دفع المخرج إلى إهداء الفيلم لذاكرته.


يعكس تاريخ
«سنوات الرصاص» عبر قصص العائلة، وحكايات الأفراد

يكتب مفتكر فيلمه بالصورة أساساً. هذه الكتابة البصرية استطاعت أن تخلق إيقاعاً جميلاً، تخللته مشاهد كثيرة حيث يستعمل تقنية الحركة البطيئة Slow Motion التي تعكس العالم السحري، من مخيال الطفل ميمو وحبه لخادمة الجيران شامة. مشاهد تتعزز جماليتها عبر الموسيقى التصويرية التي راوحت بين الموسيقى الشعبية المغربية، والموسيقى الكلاسية التي ترافق أحلام الصبي وقصة عشقه البريء لخادمة الجيران التي يلتقيها على أسطح المنازل، وتتطاير فساتينها على حبال الغسيل في مشاهد جميلة.
أما الحبكة الدرامية التي طورها المخرج، عبر أكثر من نسخة مونتاج للفيلم، كما يفيد في تصريح لـ»الأخبار»، فقد دفعت إلى جعل الحكايات المتوازية أكثر انسياباً. اقترب المخرج بذلك من حكايا حارقة، لكنه استطاع بذكاء أن يطفئ حساسيتها بإسناد الحكي للصبي ولبراءته. خفة الحكي وذكاء زاوية المعالجة جعلا بعض القصص التي تصعب معالجتها كالخيانة الزوجية، وحياة الشيخات (الراقصات الشعبيات) والمثلية وحب الصبي ميمو للخادمة شامة، في خانة المضحك والمفارق الذي يشاهده المتفرج بابتسامة كبيرة. الفيلم الذي نستطيع أن ندرجه ككوميديا درامية، استطاع تحقيق المعادلة الصعبة التي تندر في جزء كبير من الإنتاجات المغربية، وهي استعمال أدوات سينمائية أساساً لمعالجة قضايا اجتماعية.
هكذا يظهر التاريخ الكبير أي بدايات حكم الحسن الثاني والقمع السياسي الذي وازته اعتقالات طاولت الطلبة الثوريين، والمآسي التي عاشتها عائلاتهم، عبر الصورة وبعيداً عن لغة «الخطابات». يعمد المخرج إلى «الخفة» ويعكس هذا التاريخ، تاريخ «سنوات الرصاص»، عبر قصص العائلة، وحكايات الأفراد، الذين يعيد لهم قيمتهم.
استطاع مفتكر أن يدير ممثليه ليقدموا أدواراً مقنعة تقترب من شخصيات الفيلم انطلاقاً من ماجدولين الإدريسي، الراقصة، وفهد بنشمسي، الطالب المتمرد، والممثلة سليمة بنمومن وصولاً إلى محمد اللوز وعبد الغني الصناك اللذين أديا دوري العازفين في الفرقة، ويونس ميكري الذي خرج من رتابة أدواره السابقة التي لا تحيد عن دور «الكازانوفا»، وصولاً إلى أطفال الفيلم. تبقى منى فتو الشخصية الأقل حضوراً رغم أنها تعتبر من نجمات السينما المغربية.