فجّر التشكيلي الفلسطيني ناصر السومي أخيراً قنبلةً من العيار الثقيل. خلال مؤتمرٍ صحافي أقيم في «دار النمر» (كليمنصو)، تحدث عن أرشيفٍ فلسطينيٍ مفقود مكونٍ من لوحاتٍ لفنانين عالميين، بعضها قد يصل سعره إلى ملايين الدولارات. عُرضت لوحات هذا الأرشيف المفقود في مهرجان International Art Exhibition for Palestine الذي أقيم في بيروت عام 1978 بمشاركة أكثر من 180 فناناً من جميع أنحاء العالم الغربي والعربي. بعضهم كانوا نجوماً كباراً من أمثال الاسباني خوان ميرو، والفرنسيين كلود لازار وأندريه ماسون، والايطالي ألبرتو جيانكوينتو، والمصري جورج بهجوري، والعديد من الرسامين الفلسطينيين المعروفين كمصطفى الحلاج، واسماعيل شمّوط وابراهيم غنّام.

كشف السومي أنَّ لوحات هذا الأرشيف (أو بعضها) لا تزال محفوظة لدى زميلته في قسم الفنون التشكيلية في «منظمة التحرير الفلسطينية» (إبان ما قبل عام 1982) الفنانة منى السعودي. وأضاف أنّ الأخيرة لا تزال تحتفظ بها في منزلها (وبعض الأماكن الأخرى)، لكنّها ترفض الحديث عن الموضوع مع أحد، كما ترفض إعطاء أي تقرير رسمي أو دقيق حول هذه اللوحات وحالتها، وأماكنها. وواصل السومي مفاجآته حين أشار إلى أنَّ أحد «الأصدقاء» أخبره بمحاولة السعودي بيع إحدى اللوحات.
في البداية، كان لا بد من السؤال عن الدافع الذي يجبر السومي على ولوج قضية مماثلة. يؤكد: «أولاً، ما دفعني هو واجبي تجاه بلدي، والثاني أنني كنتُ في قسم الفنون التشكيلية التابع للإعلام الموحّد في «منظمة التحرير الفلسطينية»، بالإضافة طبعاً إلى زميليّ منى السعودي والمرحوم مصطفى الحلّاج، الذي حضر اجتماعاتنا مرّة واحدةً فقط ولم يشارك في غالبية أنشطة هذه اللجنة. أي إنني الشاهد الوحيد الباقي على هذا الموضوع. منى لم تقل شيئاً لأحد حتى الآن، ومن الواجب عليها، أن تعلن عن الأعمال الموجودة بحوزتها، على الأقل كي نعرف ما الذي تملكه اذا حصل شيء. هذا الأمر لم يحدث خلال 36 عاماً، وهو أمرٌ مقلق. واليوم ليس هناك أي سبب منطقي لبقاء اللوحات عندها، إذ أصبحت هناك مؤسسات فلسطينية مثل المتحف الفلسطيني يمكنها عرض اللوحات والحفاظ عليها حتى عودتها إلى فلسطين المحررة». وطبعاً «المحررة» تعني فلسطين بالنسبة إلى السومي، لا «سلطتها» التي يصر على أنَّ «هذه اللوحات لن تعود إليها، لأنّها ليست ملكيتها».

طالب الفنانة منى السعودي بالإعلان عن اللوحات التي بحوزتها

لكن لماذا ترفض السعودي الحديث في الأمر؟ يشير السومي: «لا أعرف السبب، وهي ترفض مقابلة أحد للحديث في هذا الشأن، ليس معي أنا تحديداً، بل حتى مع أصدقائها الآخرين. الآن أتوقع أنّ هذه الحملة التي نطلقها، ستجبرها على الإجابة عن هذه التساؤلات».
ولأن الموضوع الأهم هو «لوحة ميرو»، يطرق السومي القصة موضحاً: «بخصوص هذه اللوحة، هناك شخص طلبت منه منى السعودي أن يبيعها في لندن، لكنه رفض». هنا نتدخّل سؤالاً: هل باع اللوحة لها أم أنّها وسيط فقط؟ يعود السومي ليكمل: «هي طلبت من هذا الشخص أن يأخذ اللوحة ليبيعها كوسيط، بحكم أنه يعرف أناساً يحبون الفن. طبعاً هو رفض الأمر على نحو قاطعٍ حين عرف أنَّ هذه اللوحة قدّمت في الأصل للشعب الفلسطيني، ولا تزال عند منى».
نعود للتدخّل لإستيضاح الأمر: لكن هذه جريمة ما نتحدث عنه هنا. يؤكد السومي: «لقد سألت هذا الشخص في البداية بأنني سأتحدث عما حدث معه (من دون ذكر إسمه) في مؤتمري الصحافي، فوافق من دون مشكلة». ما يصر عليه السومي خلال حديثه، هو لماذا تتحرك اللوحات من مكانها فيما لا أحد يعرف عنها شيئاً؟ هذه اللوحات تحرّكت إلى عمّان وعادت إلى بيروت في لحظةٍ ما، «هنا تكمن المشكلة. لماذا تتحرك اللوحة من لبنان إلى عمان؟ ما هي الحكمة في ذلك؟ كيف تتحرّك اللوحة من بيروت إلى عمّان من دون حسيب ولا رقيب؟ وهل أخذت لوحاتٍ أخرى إلى عمّان مثلاً؟ كلها أسئلة لا إجابات عنها، إلا لدى منى السعودي وحدها».
في الإطار عينه، تبرز أسئلة أخرى: هل كانت هذه اللوحات ملكاً للسعودي؟ أي إنَّ الفنانين مثلاً أعطوها إياها أو لها «حق التصرّف بها قانوناً»؟ يصر السومي: «هذه اللوحات لم يعطها هؤلاء الفنانون لأحد، فهي مسجّلة في الكتالوغ الذي عرضته داخل المؤتمر الصحافي. هذه اللوحات ملك للشعب الفلسطيني فقط، وليست ملكية شخصية لأحد، أو لجهة حكومية (حتى ولو فلسطينية) ولا حتى تتبع لأي إطار سياسي أو اجتماعي آخر». أما عن المساءلة والمتابعة القانونية للأمر، فيعلّق السومي: «إذا حصلت أي مساءلة قانونية، فأنا مستعد لتحمّلها. أنا شاهد على هذا الأمر، وأقمت هذا المؤتمر الصحافي كي أقول شهادتي في العلن، فمن بابٍ أولى أن أقولها أمام قاضٍ أو جهة قانونية. أطالب –كما فعلت في المؤتمر الصحافي- أن يصبح الأمر قانونياً، ويعرف علانية ما هي اللوحات وما هو مصيرها، ومن لديه ماذا». في الختام، أكّد السومي أن الموضوع شديد الأهمية بالنسبة إليه، إذ «يضحّي المرء بدمه لأجل فلسطين، وهذا الأمر ليس بأقل أهمية»، موضحاً خطته: «أتولى اليوم إثارة الضجة حول الأمر، إلى جانب التواصل مع الفنانين أصحاب اللوحات الأصلية المهداة، كي يوقعوا ورقة تفيد بأن أعمالهم قدّموها للشعب الفلسطيني ودعماً لقضيته، لا كملكية فردية لأحد؛ وكذلك كي لا تعود إلا إلى فلسطين المحررة». أما في حال عودة هذه اللوحات وضبطها وتنسيقها، فهي ستصبح في عهدة ورعاية المتحف الفلسطيني، وقد توضع في بيروت (دار النمر مثالاً) أو في دولةٍ أوروبية مناسبة ضمن صالة عرضٍ عامة.




وفي إيران أيضاً

يشير ناصر السومي إلى أنَّ بعض لوحات الأرشيف الفلسطيني موجودة اليوم في إيران، شارحاً قصتها بأنّه قبل عام 1982، ذهبت هذه اللوحات للمشاركة في معرضٍ هناك. لكن مع الإجتياح الصهيوني للبنان، لم يعرفوا كيفية إعادتها إلى منظمة التحرير. قيل وقتها بأنّ هذه اللوحات ضاعت، ووصلت إلى مطار بيروت حيث أُتلفت. لكن السومي يوضح: «عرفنا لاحقاً أنّها لا تزال موجودة في متحفٍ إيراني، وهم كانوا متعاونين جداً، وأبدوا استعدادهم التام لإعادتها فور طلبها بشكل قانوني. لم أطلب منهم إعادتها مثلاً، لأنني لا أستطيع تحمل مسؤولية هذه اللوحات. من الأفضل أن تبقى اللوحات لديهم بأمان وبحفظ حتى اللحظة، وان شاء الله لاحقاً يمكن الحصول عليها عبر المتحف الفلسطيني». ويضيف أنّه إضافةً إلى هذا الأرشيف، هناك مجموعة من رسوم الكاريكاتور من إبداع الشهيد ناجي العلي، وهي غير موجودة في مجموعاتٍ أخرى. طبعاً لا ينسى السومي بقية اللوحات: «هناك لوحات أخرى من هذا الأرشيف موجودة لدى شخصين: لوحتان لدى شخص، و19 لوحة لدى شخص آخر. وكانت منى السعودي قد تركت هذه اللوحات عندهما. وهناك واحدة لدى آني كنفاني، وكل هذه اللوحات تتبع لهذا الأرشيف نفسه».