إحتفاليّة «مسرح المدينة»، كان ختامها مسكاً، ليلة الأربعاء، مع الفنّانة نضال الأشقر. كنا نتوقّع قراءة مسرحيّة لنص أوتوبيوغرافي كتبته نضال من وحي حياتها وبيتها وذكرياتها الثقافيّة والسياسيّة، وقصّة حبّها مع المسرح. قلنا ستكون قراءة لطيفة للاصدقاء والجمهور، برفقة خالد العبدالله الشريك الدائم. كنا نظنّها كذلك… لكن لا، لم تقبل نضال بهذا القدر، وقررت كعادتها أن تخلق المفاجأة. «مش من زمان» جاء في النهاية عرضاً متكاملاً، موعداً مشبعاً بالانفعالات الفنيّة والذاتيّة الصرفة. هذه المرأة التي تتهادى أمامنا في جلستها، هي من سيّدات الخشبة العربية. إنّها الآن، بسحر المسرح، ابنة العشرين العائدة لتوّها من لندن، من عند جون ليتلوود، لتجنّن بيروت. «مش من زمان»! انظروا إليها جذلى، مبتسمة رغم انّها تحكي عن السجن والاضطهاد والقتل والاعدام، متفائلة وسعيدة رغم انّها تحكي عن «الزمن الضائع»، عن الفقد وتغيّر الأزمنة وضياع القيم الوطنيّة والقوميّة والانسانيّة. ها هي، غاضبة وسط فيض الحنين إلى «الزمن الصرف»، زمن القضايا والنضالات والمشاريع والقيم (العلمانيّة مثلاً). من أين تجد نضال الأشقر كل هذه الطاقة؟ هذه الأعصاب؟ نظراتها تشرقط. جسدها حرّ وخفيف وبليغ في حركاته. صوتها لم يفقد شيئاً من قوّته، وتلوّنه، وقدرته على الغواية، والسحر، وأسر المُشاهد، وحملنا بين الحالات والامكنة والحكايات.

إنها قصّة ابنة بيت سياسي عريق. تستعيد في مرحلة النضج، أي بعد عمر كامل، أطياف الطفولة: وجوه وأبطال، رجال يحملون مُثلاً وقضايا ويضحّون في سبيلها ـــ موضوع المسرح الأثير ـــ شخصيات مهمة في الأدب والسياسة والفكر والثقافة، نضالات تأسيسية ما زالت راهنة. هناك مناضلون سريّون، ومخابئ وزنازين ومطاردات، واحتفالات شعبيّة، عرس من دون خوري، و«النورية» الصغيرة التي أخذتها الى المسرح. لمحات من سيرة، تتخللها الاغنيات المستقاة من الذاكرة الجماعيّة، التي تعطي الأحداث عمقها الشعوري وزخمها الدرامي. تقول إبنة أسد الأشقر، القائد والمناضل القومي السوري الاجتماعي، إنها لا تعرف إن كانت القصص واقعيّة أو من نسج الخيال، أصلاً كل مشروع أوتوبيوغرافي فيه الكثير من «الخيال»، أي اعادة ملء ثغرات الذاكرة بهواجس الواقع الراهن. نضال أمامنا، تغنّي أيضاً: «مرمر زماني»، «حلوة يا بلدي»… لم نكن نتوقّع. تغنّي؟ بل إن هذا الكلام الممزوج بالغناء، صوتها المتمايل كجسدها، أقرب إلى انشاد المؤدي في التراجيديا القديمة. إنّها كاهنة إغريقية، تتلو، تروي، تمثّل، تغنّي، وتسلّم إلى خالد العبدالله الحاضر بقوّة، ثم تستلم منه. تستند إليه عازفاً على عوده ومؤدياً وسارداً، يحيط بهما عبد قبيسي (بزق)، زياد الأحمديّة (عود)، علي الحوت (إيقاع). إنّه الكورس الذي يعطي الاحتفال بعده التراجيدي.
لقد انتهت الاحتفالية بعشرينيّة «مسرح المدينة» بهذه اللحظة الخاصة التي سنتذكرها طويلاً. مساء الأربعاء كانت نضال «مشرقطة» على المسرح. منشدة، راوية، متشيطنة، تتلفت يمنة ويسرة، تبتعد عن الميكرو وهي تغنّي، بحضور أخّاذ، بخفّة طفوليّة مرّصعة بالعمق الانساني، وصرامة الموقف. كانت فسحة أنانيّة. لقد جاءت لتمتع نفسها. أو هذا ما كان يتراءى لنا حين تشيح بوجهها عنّا وتطلع بموّالها. الممثلة الرائدة نسيت العالم، نسيت السنوات، والهموم. خلعت عنها ندوب الوقت، وجاءت لتحتفل. لتتقاسم معنا تلك اللذة السريّة التي ليس بعدها لذّة. تنظر إليها تقود الاحتفال بنبضها، وتتذكّر تلك التغريدة الجائرة التي كتبتها صحافيّة «ثوريّة» في معرض التعليق على خطاب لنضال قبل أسبوعين، دفاعاً عن حريّة التعبير. لحظة التجلّي، تتساقط الثمار المهترئة، والافكار الجاهزة. تنظر إلى الكاهنة تقود الاحتفال بنبضها، وتسأل نفسك: إذا كانت الآن بهذه الحيويّة. ترى كيف كانت في السبعينيات على المسرح؟ نضال كما لم نرها منذ زمن. هل تصدّقون؟ إنّها لحظة التجلّي.