يصعب أن نحظى بلحنٍ يراقصنا في أصخب سهراتنا ويتسلل إلينا في لحظاتنا الحميمة ليتلاعب بمشاعرنا ويحرك حنينها. ها هو خريف تشرين الأول يباغتنا مرةً أخرى ليخطف رفيقاً لوديع الصافي. رحل أمس صاحب «سلم عليها». يروي لأصحابه من مبدعي لبنان كيف استطاع أن «يلعب اللعبة»، ويحافظ على مستواه وسط «البركان» الثقافي والموسيقي الذي هز العالم العربي من بعدهم. رحل بعدما نفد بريشه بأقل خسائر معنوية ممكنة.

ولد ملحم بركات في بلدة كفرشيما، التي أنجبت فيلمون وهبي، وماجدة الرومي، وعصام رجي. تربى على يد والدٍ احتار بين ميوله الموسيقية وخوفه من غرق ابنه في هذا الفن الذي كان برأيه ملكاً للمدرسة المصرية آنذاك. في تلك الفترة، لم يكن قد تشكل بعد فن موسيقي لبناني مستقل بالكامل مع «عصبة الخمسة» والمسرح الرحباني، الذي سيصبح ابنه من معاصريه ورواده.

تميزت أغانيه بعفوية، ولم يتفوّق فيها الشعر على اللحن يوماً

استعراضياً، تميز شقي كفرشيما بشراسةٍ تتدفق في صوته وعيونه، فنتذكر بدايته التمثيلية مع الرحابنة، ونسترجع مشهد «المحكمة» في مسرحية «الشخص» (1968)، ليظهر بعدها في أدوارٍ أكبر كما في مسرحية «الربيع السابع» (1984)، ثم تابع مسيرته التمثيلية مستقلاً عنهم في «ومشيت بطريقي». أخذ أول ألحانه «الله كريم» من ابن بلدته ورفيقه في الصيد فيلمون وهبي الذي تأثر بركات ببساطته وأصالة ألحانه. لاحقاً، بات يلحن لكبار المغنين كوديع الصافي (جينا نسأل خاطركم)، صباح (صادفني كحيل العين)، وغسان صليبا (يا حلوه)، ماجدة الرومي (اعتزلت الغرام)، فريال كريم (عم بزعلني للو) وغيرهم كثر.
إلى جانب فليمون وهبي، نتلمس تأثره بعبد الوهاب وفريد الأطرش، غير أنه تمكن من امتلاك هوية موسيقية خاصة من دون تكرار نفسه لحنياً، رغم تكرار بعض النماذج الإيقاعية في الكثير من الأغاني. كثيراً ما كان يروي كيف يثور على نفسه حين يكتشف بأنه «سرق سهواً» لحناً من ألحانه القديمة وكيف كان يسارع إلى تغييره. يتحدث عن نفسه بتعجرفٍ أحياناً، فيما تكشف حقيقته شيئاً من التواضع والشفافية، فيشكو عتبه بغضبٍ كامنٍ على مغنين جدد، ليدخل في متاهات العالم الفني ودهاليزه وزواريبه، فيخطئ تارةً، ويُظلَم طوراً.
كلامياً، تميزت أغانيه بعفوية، ولم يتفوق فيها الشعر على اللحن يوماً. كما نلاحظ فقر الإنتاج الموسيقي مقارنةً بثبات بنية اللحن وجماله، وهذا أمرٌ مستغرب كي لا نقول محزناً، في زمنٍ تكثر فيه الإنتاجات الموسيقية ذات الجودة العالية، لتزين ألحاناً موسيقية بدائية فقيرة وغير ناضجة.
الصبي الشقي الذي لا يتقيد بقوانين اجتماعية ولا بقيود إعلامية، لطالما غيّر مسار برنامج حواري ليلائم طبعه ومزاجه. رفض وسائل التواصل الاجتماعي، وأثبت مع ذلك نفسه في وجه صخب التجارب الموسيقية الجدية وغير الجدية، التي تعمل بجهدٍ كي تتفوق إعلامياً وتصل إلى أكبر عدد من المتابعين followers. أدى ألحانه مغنون من مختلف المستويات والفئات الفنية، وفي كل تجربة نرى لحنه متألقاً يدل على جنون صاحبه وعبقريته.
نرى في حياة هذا الفنان، المتناقضة، خطاً يصف المسار الفني اللبناني بشكله الدقيق وبدون مجاملة. هو من القلائل الذين تماشوا مع السائد، وشاركوا بأفضل ما عندهم بدل الاعتكاف، ليوضح صورة المراس الفني وحالته في مختلف الظروف الثقافية. لطالما انتقد المعتكفين وتجاهل تدنّي المستوى الثقافي الإقليمي. مع هذا الفنان الـ«مختلف»، نرى أول ألحانه بصوت وديع الصافي وآخرها بصوت فارس كرم.
أما أعماله الجديدة نسبياً مثل «مش عارف» (2012)، «صاير كذاب» (2010)، «بدك مليون سنه» (2010)، فلم تأخذ صدى كسابقاتها إلا في أغنية «البطيخ»، رغم أنها لا تقل إبداعاً عن تلك الألحان القديمة. فهل أحبط هذا من عزيمة الموسيقار الذي لطالما حاول جاهداً أن يعوّد الجمهور على الاستماع إلى مقطوعة موسيقية بدون كلام قبل بداية كل حفلة؟ وبالحديث عن «البطيخ» المستفزة التي تمثل واقعنا بتجرد وشفافية، فإنّها لم تستطع أن تحجب لحناً مألوفاً، يذكرنا بشيءٍ من المدرسة الرومانسية القديمة. فها نحن مجدداً نلتقط جمال ألحانه حتى في أرخص الكلمات وأسوأ الإنتاجات الموسيقية من حيث الآلات والتسجيل. هذا إن لم نذكر التضليل البصري الذي يمارسه كليب الأغنية. ربما هو ذلك التقطيع الأنيق للأحرف العربية ضمن القالب الإيقاعي الذي يمتاز به، فيكاد يتهجى كلماته ضمن ذلك الإيقاع البطيء الراقص الذي يلجأ إليه دائماً ولو في وسط الأغنية، وهو الذي ــ ببطئه وحركته الراقصة ــ يشبه شخصيته التي تجمع بين العفوية والجدية وبين العنف واللطافة وبين المرح والغضب والخجل. يهاب الكاميرا والاستديو... والموت. خاف الموت، فبنى معه صداقة، حين شرع بتحضير لحن جنازته منذ ما يقارب عشرة أعوام!