«ليك... شو مفكر تعمل مطرب وفي محمد عبد الوهاب؟!» كلمات سمعها ملحم بركات من والده، فحفرت مكانها في وجدانه وحفّزته ليصبح الموسيقار ملحم بركات. خلال حوار متلفز، قال: «وقتذاك إرتجفت، لكني حسمت أمري وقلت: نكاية بوالدي سأفعل شيئاً، سأكون الولد الذي سيدفع والده للتفاخر أمام الجميع».

كان مولعاً كوالده بـ «موسيقار الأجيال»، يجيد أداء أغنياته، وربما استوحى منه الرغبة في التجديد في الموسيقى، فكانت خطواته نحو الوصول الى قمّة المجد، مدفوعة بعنفوان وقسوة، تجسدها جملته الموسيقية القوية الصاخبة، التي هدرت في أرجاء الأرض، بصوته أو بصوت الكثير من المطربين خلال نصف قرن من الزمن.
هو من أراد إثبات أنّ الملحن قادر على كل شيء، فقام بتلحين مقال في الجريدة، ثم تجرأ واسمع لحناً لفيلمون وهبي إدعى أنه لصديق له من الشويفات. وقتذاك، قال شيخ الملحنين: «ملعون من صنع هذا اللحن، يبدو أنه موهوب». وعليه، إستهل صاحب «ومشيت بطريقي» صعود سلم النجاح. ومع أغنية «الله كريم» الوطنية (كلمات توفيق بركات ولحن فيلمون وهبي)، برزت قدرات صوت نجم جديد، فمنحه فيلمون اغنية ثانية هي «سافر يا هوا» ( كلمات مصطفى محمود).
دفعه فيلمون، للتوجه الى دارة الرحابنة، فقدم معهم أعمالاً مسرحية عدة، لكن هذه الشراكة لم تدم طويلاً. سرعان ما خلع صاحب «الفرق ما بينك وبيني» عباءة الأخوين رحباني، ليبدأ مسيرة حملت نكهة خاصة ومختلفة، مما لفت كبار المطربين إلى جملته اللحنية، منهم وديع الصافي (يا بني)، صباح («المجوز الله يزوده»، «كحيل العين»، «ليش لهلق سهرانين»، «يا لبنان دخل ترابك»...)، ماجدة الرومي (اعتزلت الغرام)، وليد توفيق (ابوكي مين يا صبية). كما منح ألحانه لكل من سميرة توفيق، ونجوى كرم (مصنع بارود) وميشلين خليفة... ومن ألحانه الأولى «بلغي كل مواعيدي» التي شارك جورجيت صايغ غناءها خلال مسرحية «حلوة كتير» مع «الشحرورة» صباح.
على المسرح الغنائي، لم يكن مرور بركات أقل شأناً من نشاطه الفاعل في صناعة وتطوير الأغنية العربية، وحتى من حضور صوته القوي المميز. لقد ترك بصمة تشبه شخصيته في كل عمل مسرحي قدمه، مثل «الأميرة زمرد»، و«الربيع السابع» مع الأخوين رحباني، وبعد ذلك «ومشيت بطريقي». وعلى المسرح، بكى والدته تافيديا في كل مرة غنى فيها «بوعدك يا كبيرة هاك البيت». لم تتركه السينما من دون أن تخطفه ولو مرة لخوض غمار الفن السابع، فأدى بطولة «حبي لا يموت» (1984) مع الممثلة هلا عون (إخراج يوسف شرف الدين)، ليربح الجمهور كليباً سينمائياً لرائعته «يا حبي اللي غاب».
لا يمكن اختصار تاريخه في جمل، لأن مجرد مرور إسمه، يعني جملة من التراكم لصالح الفن العربي أولاً واللبناني خاصة كونه إلتزم الغناء والتلحين باللهجة اللبنانية من منطلق الوفاء لرواد هذه الأغنية من أساتذته.
كان يقول: «ما في ألعن من الفقر الا الغنى»، لكنه عانى نكسات مادية قهرها بالعمل. كان يلحن بشكل خاطف وسريع، وهو يقود سيارته أو في الطائرة. قال يوماً إنّ الأغنية الوحيدة التي تصف شخصه من الناحية الإنسانية هي «انا الوالي». شخصية أراد أن يخيف بها كل الظالمين. وبكلماته للإعلامية هيام أبو شديد في لقاء متلفز: «تنتهي ولايتي مع الموت، حدودي الموت. وحتى أنا عم موت بدي فزّع، بدي تخاف مني العالم».
هكذا، شكّل صاحب «جيت بوقتك» حالة فنية خاصة امتدت خيوطها لتجمع بين شغفه بالموسيقى وحبه الصارخ للحياة بشغب عفوي مجبول بروح النكتة والكثير من الوجع، مما جعل كل أعماله غنية بالإختلاف لا يقوى على تجاهلها أحد. نجاحات حفرت إسمه بحروف من ذهب على قائمة أفضل الملحنين العرب، وجعلت أعماله مكوناً أساسياً في قائمة مكتبة الموسيقى العربية منها: «على بابي واقف قمرين»، «العذاب يا حبيبي»، «أحلى ظهور»، «حمامة بيضا»، «شباك حبيبي»، «شو بعدو ناطر»، «ولا مرة كنّا سوا»، و«تعا ننسى»... رحل ملحم بركات وفي عقله حلم أخير لم يتحقق، أن يترك جملة موسيقية من أعماله في عهدة صوت فيروز، بينما بقي في قلبه غصّة على الوطن، الذي اعطاه كل يوم سبباً للبكاء.

تقام مراسم وداع الفنان الراحل غداً الأحد، عند الواحدة ظهراً في «كنيسة مار نقولا» (الاشرفية)، على أن يوارى الثرى بعدها في مسقط رأسه كفرشيما