ولن أستعمل يوماً صيغة الماضي أي أنّه مات. فالموسيقار نعمة متنقلةٌ من إلى إلى، حاله حال «المعلّمين الخالدين». أما هو، وحده انتزع لقب «المعلم» من الرحباني الأكبر؟ غاب ولم يغب... لا نودُّ حتى مجرّد التفكير لرُهابنا من فكرة فقدانه، وهو الذي بين كل فترة وأخرى كان يضع وبخاطره مسماراً في نعشه، مؤلفاً مقطوعة رحلته الأخيرة، ومدماكاً في قبره، مقارباً جدلية الموت كلما قابلته على هواءٍ أو في جلسةِ صفاء، أو متى اعتراه خوف من الأشياء أو ساوره شكّ في الوجودية.

فلقاءُ العملاق بدٌ وغذاء لأي ذائقة فنية كانت، أو اجتماعية أو وطنية أو حتى لأبسط اليوميات.
أبا مجد... كم يليقُ بنا نُطق الكنية وكم تصعب قراءة المانشيت «مات أبو مجد»!
حاورته ككبير المايستري في سلسلة مايسترو ولمرات عدّة. وفي كل مرة، يزوبع الاستديو والشارع قبل اللقاء وأثناءه وبعده.
«هرمنا» لقبُه وموقعه وتاريخه، وتصاريحه تزلزل واقعاً لتسمّى واقعةً.
نادرون رجالاته في زمنٍ عقيم «بالشنبات»، لكنه خصب بالخطابات. سيبقى موسيقارنا الذي لا يموت فعلاً مضارعاً ليصارع دنوَّ الأجل و«غياب القمرين» وحملَ النعش على الراحات.
فالموسيقار لم ولن يشيخ متى صارعه الخبيث، تحدّاه خلسة وفي الظلّ ليلقّنه درساً متى قارع كياناً يضجّ بالحياة، آملاً أن تُفتح الستارة مجدداً على مسرحٍ «الآه يا بو مجد»، فإذا بباب القبر يُشرّع على مصراعيه لاستقبال قدامى الفاتحين ومُجدّديهم الذين يضمّهم التراب بعد أن يضيق بهم حتى الأديم. أبا مجد، ارقد بسلام ولتحمْ روحك فوقنا كعادتها، تُوبخنا حتى تُصحّحنا، تُوجّهنا حتى تقوّمنا، تُعلّمنا حدّ تفوقنا...
ولنتذكرك دوماً وأبداً بكل فخر وغصة أنك آخر العمالقة...
لأنّه بعدك سيشحُّ الزيت وينوصُ القنديل وتنتهي الحكاية...
فحُبّنا غاب من عمرنا نحن.

* إعلامي لبناني