مشهد أمس يعصى على الوصف... يوم تكثّف بمشاعر الحزن والفقدان والانكسار، التي أبكت كل الذين حضروا جنازة ملحم بركات (1945 ـ 2016). عزف الموسيقار معزوفته الأخيرة أمس. أطلّ على غير عادته غائباً جسدياً وحاضراً في القلب. في الطريق إلى «كنيسة مار نقولا للروم الأرثوذكس» (الاشرفية)، راحت أغنيات الراحل تصدح من سيارات المارة على الطريق. صحيح أنّ الدولة لم تعلن الحداد الرسمي، لكن الإذاعات خصّصت يوماً لتكريم للفنان، ونقلت غالبية المحطات المحلية جنازة بركات.

على مداخل الكنيسة، تستوقفك أكاليل الورود التي تلقي نظرة الوداع الأخيرة على صاحب «ومشيت بطريقي». وحده الورد الأبيض كان سيّد الموقف بينما ضجيج الموت أقوى من نقاوة الورد. برغم أن غالبية الفنانين اللبنانيين حضروا الوداع، إلا أنّهم لم يكونوا نجوم الحدث أبداً، فما نفع التصريحات الفنية المعزيّة بالرحيل؟ لا حاجة لإعادة الكلام عن مدى الخسارة الفنية الجسيمة، فالساحة تفقد كبارها في السنوات الأخيرة من صباح إلى وديع الصافي إلى سمير يزبك واليوم ملحم بركات. في المقابل، وحدهم الناس العاديون كانوا نجوم الحدث، أتوا من كل المناطق اللبنانية ليقولوا وداعاً للفنان. هم أنفسهم الذين حضروا أيضاً جنازة المطربة الراحلة صباح ورقصوا في شوارع وسط بيروت بكل حزن وأسى على رحيل معشوقتهم. قبل عامين وتحديداً في 26 تشرين الثاني (نوفمبر)، ودّعوا الشحرورة، وأمس كان الموعد مع ملحم. يقترب أحدهم ويقول باكياً بين الناس «كان أخاً كبيراً. بكّانا بأغانيه واليوم عم نبكي حزن عليه». عبارات صادقة خارجة من القلب من دون رتوش، تدلّ على مدى تأثّر هذا الفنان بالوجدان. من جهة أخرى، يعرف اللبنانيون كيف يُفقدون قيمة الأحداث عندما يجتمعون حول النجوم (حضروا الجنازة بالنظارات الشمسية السوداء) ويطلبون إلتقاط صور السيلفي معهم. باقة من الفنانين حضرت المأتم منهم: عاصي الحلاني، راغب علامة، وليد توفيق، الإعلامي جورج قرداحي، الشاعر نزار فرنسيس، فارس كرم وغيرهم، لكن لحضور ماجدة الرومي وقع آخر. حضرت مُنكسرة لإلقاء النظرة الأخيرة على بركات، هي التي ودّعت والدتها قبل أيام. إضافة إلى الفنانين، كان للسياسيين حضور قويّ في المأتم، فبركات كان صاحب رأي سياسي صلب لم يبدّله يوماً. كان فرنسيس الأكثر تأثّراً بين النجوم، فالراحل كان صديقه المقرّب وأراد أن يعبّر عن حزنه بقصيدة ألقاها بعد الجنازة. قصيدة عفوية رتّب فرنسيس كلماتها بسهولة، جامعاً بين حزنه على الرحيل وشوقه لرفيق دربه. يتقن الشاعر فنّ الكلام جيداً، وقادر على الدخول إلى القلب بسهولة. قال فرنسيس بعباراته العامية «راح الحنون، الصادق، الخيي، الوفي... ملحم وقع». لم تنته القصيدة إلا بدموع ذرفها على نعش الفنان. ثم كان اللقاء الأخير مع فرقة بركات التي عزفت مقطوعة موسيقية لأغانيه. بكى العازفون على رحيل معلّمهم، وهو الذي أوصاهم قبل سنوات بعزف هذه الألحان يوم مماته. فرقة تطلّ للمرّة الأولى من دون قائدها، عزفت في الهواء الطلق أغنيتي «حبيبي إنت» و«عِدّ الأيام» التي رقص فرنسيس على أنغامها مودّعاً صديق عمره بروح منكسرة وجسد هزيل يتمايل مع الالحان، قبل أن يرى الجميع دموع المايسترو إيلي العليا في أصدق تعبير عن حالة الحزن التي كسرته. من حضر الوداع، اكتشف مدى حبّ الناس لبركات، هو الذي كان قريباً منهم بأعماله الفنية كما كان يخاطبهم بلهجته الجبلية العفوية ونزقه المحبّب. لم يكن صاحب «ولا مرة» متصنّعاً، بل كان يتمتّع بشخصية عفوية جعلته ظاهرة فنية على الساحة. أمس ضحك بركات للمرة الأخيرة وذهب بعيداً بعيداً، وعاد إلى بلدته كفرشيما مطمئن القلب. «وداعاً أبو مجد... مات زعلان»، عبارة قالها أحدهم وهو يبكي على النعش.