خلف الجدران الموصدة، والعواميد التي تنتصب لـ «حداثة» البلاد، هناك حيوات تجري بخفوت على أطراف المدينة. صبا عناب (1980) تبدأ من هذا العزل الكثيف. أعمالها مشبعة بأروقة وظلال وغبش وكتل اسمنتية تقص الروابط بين أوساط المدن وأمكنتها المؤقتة، تلك التي يحيلنا إليها «الرحالة» الذي يستمر في «غاليري مرفأ» حتى 30 كانون الأول (ديسمبر). معرضها الفردي الثاني في بيروت، يستكشف أحد أنماط علاقة الإنسان بعمارته وبناءاتها، انطلاقاً من ذاكرة الفنانة والمهندسة الفلسطينية الشخصية.
شاركت في إعادة إعمار مخيم نهر البارد بعد تدميره عام 2007
لا تتوانى عناب عن اللجوء إلى خلفيتها الهندسية الأكاديمية لتظهير العلاقة الشائكة بين اللاجئ ومحيطه. مشاركتها في إعادة إعمار مخيم نهر البارد الفلسطيني في شمال لبنان، بعد تدميره عام 2007، بعثت تساؤلات عن عمارة الخراب وتشييد اللامكان في المخيمات الفلسطينية، جسّدتها في معرض «أرض بلا خراف» (2011). بأدوات المهندس، شيدت عناب نصباً ومجسمات، وخطت اسكتشات ورسومات وخرائط، تسائل قيمة العمارة ووظيفتها بالعودة إلى فترة لجوئها الشخصي في الكويت، التي كانت إحدى محطات عائلتها الفلسطينية، قبل انتقالها إلى الأردن لاحقاً. تقدّم عناب مقاربة مدينية للاجئ بصفته رحالة بمصير مجهول، ضمن سياق عمليات التحديث العمراني في البلدان المضيفة. مقاربة تستحيل تشكيكاً بوجود اللاجئين نفسه، واختباراً لدور العمارة في الإقامة المؤقتة. «وأتينا إلى المدينة وكأننا لم نأت» تكتب عناب على جدار في المعرض، بينما تفكك عناصر مبنى سكني في الكويت الثمانينيات، لتعيد قراءتها بعين القابعين في أمكنة الانتظار. في القسم الأول من المعرض، تنتصب 7 أعمدة مصنوعة من البلاط الإسمنتي الداكن، يتقلّص طولها تدريجاً. إنها النسخ المزورة لنصب المهندس السويسري لو كوربوزييه التي اجتاحت العالم في عصر الحداثة. بجانب هذه الأعمدة الرخامية، نصبت هيكلاً مستوحى من الأحجار المزخرفة والمفرغة (كلوسترا)، بعنوان «وأدركنا أن الحجارة هي الوقت» في دلالة إلى ثقل الوقت في الانتظار. وإن كانت العناصر تمثل الحداثة المعمارية التي وفدت متأخرة إلى الكويت والمدن العربية، إلا أن عناب تزحزح هذه الأعمدة من سياقها البنائي وتترك أجزاءها الصلفة منتصبة وحيدة في الفراغ. اللجوء أو مكانه المؤقت لا يظهران بشكل مباشر في المعرض. تفضح وجوده الخفي الكتل الإسمنتية، التي ضاعف بناؤها المجرّد من هجانتها. في الغرفة الثانية، تنقل عناب ممارستها الهندسية التقليدية إلى رسوماتها ومجسماتها بشكل مباشر. هناك خمسة اسكتشات بالرصاص والحبر لعناصر من بعض الأبنية على خلفية بيضاء. رسمت عناب تفاصيل تحدد الملامح الأساسية لبعض الأبنية النموذجية والفاخرة، مثل العواميد والأروقة الواسعة والعتبات المرتفعة والظلال بينما تركت مقابلها زوايا غير مكتملة وأبواباً بسيطة ومساحات فارغة. إلى جانب هويات العمارات الرائجة في تلك الفترة، تحمّل عناب أبنيتها بطبقات متعددة من الذاكرة. طبقات تكشف عن وظيفة أخرى للعمران. كأن دوره هنا يقتصر على إقصاء اللاجئين والعمال، من بينهم صانعوه أنفسهم، باستثناء لحظات فالتة من خيال طفلتين (صبا وأختها) وجدتا في أروقة هذه المباني الفاخرة مكاناً للعب بين ظلالها الباردة. أمام هذه الرسومات أو الدراسات الهندسية، تتوزع ستة مجسمات مصنوعة من الحجر الجيري والرخام والخشب والإسمنت. تلفظ هذه الكتل الصلفة أي حسٍ بشري. تقبع الحجارة وحيدة في مجسمات من الحجم الصغير، مظهّرة اشتغالاً عمرانياً دقيقاً بعناصر ثمينة كالرخام والحجر الجيري، مقابل فراغ إسمنتي مسطح ضاعت تفاصيله. لكن الحياد الذي رافقنا في المعرض لا يبدو مستمداً من طريقة توظيف (مقصودة) للخطوط والكتل الباطونية فحسب، بل ضاعفه أيضاً تفكير عناب وممارستها الهندسية البحت مقابل غياب أي مقاربة فنية واضحة. وإذ يكاد «الرحالة» أن يكون ألبوماً لمشاهدات مدينية شخصية، فإنه يوثق للحظات عمرانية معينة من ذاكرة اللجوء الفلسطيني في الكويت وفي كل البقع الأخرى. لحظات لا تبتعد عن إشكاليات اللجوء السوري ورحالته الجدد في مواجهة العزل المديني، الوجه الآخر للعزل الاقتصادي والسياسي والمعنوي.


* «الرحالة» لصبا عناب: حتى 30 كانون الأوّل (ديسمبر) ــ «غاليري مرفأ» (مرفأ بيروت). للاستعلام: 01/571636