الصرخة بشكلها المعروف تعني أن يرفع الانسان صوته الى أقصى مداه، فاغراً فماً، عطِشاً الى الحق والعدل. غالباً ما تترافق صرخة الرافض أو المظلوم في وجه الظلم والأسى، مع حركة بديهية من يديه باتجاه أذنيه ليصمهما عن واقعه الأليم، تماماً كما عبّر عنها المعلم ادوارد مونخ في لوحته التعبيرية الشهيرة «الصرخة». هذا في البديهيات... لكن هناك أنواع أخرى من الصرخات، بعضها وأعمقها هو الصامت، حيث الصخب والغليان يكمنان في الداخل، لكن لا بد للعينين من أن تظهراهما. هذا الخيار الأخير للتعبير هو الأساس عند سيدات لميا ماريا أبي اللمع. تعمل الفنانة اللبنانية على تفاصيل صورها المربعة الشكل، بما يخدم أيضاً تأليفها البصري ومفهوم المعرض، فتضيف سجناً إلى السجن الأكبر الذي يقبع داخل «سيداتها». هكذا، ألبست لميا أكثر من 50 سيدة بزّات عسكرية مرقطة، ودخلت معهن عالم الصرخة الأعمق، بدءاً من الصرخة الداخلية الذاتية إلى الصرخة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي بثتها على جدران «غاليري تانيت». ترافقت هذه الصور مع فيلم قصير صاغته من لقطات إخبارية تحاكي مآسي الوطن، من أزمة النظام إلى العنف وجرائم القتل، مروراً بالورطة البيئية وصولاً إلى محنة اللاجئين، فكان معرضها «الحقائق المتصارعة».
ألبست أكثر من 50 سيدة بزّات عسكرية مرقطة

نشأت أبي اللمع في بيت سياسي في عزّ الحرب الأهلية اللبنانية. كمعظم أبناء جيلها، عايشت الخطر والملجأ وأصوات القذائف «الأهلية». قذائف تكاد سيداتها في الصور يرسلنها عبر تعابير عيونهن. «كل هذا من المُعاش، أنا عشته. الخوف والقنابل. والأهم أنني رأيت انحدار النظام السياسي ونتائجه على الناس! كيف دمّرهم أخلاقياً ومعنوياً!» تقولها لميا بشفافية مطلقة.
لا تنسى الفنانة القذائف التي كانت تنهمر على بيت أهلها والهروب إلى القبو/ الملجأ أو الانفجار الذي طال منزلها والكثير من المنازل. لكن هذه التفجيرات ــ برأيها ـــ مستمرة بأشكال أخرى، والتدمير مستمر، معنوياً ومادياً وسياسياً. ترجمت ذلك في الصور كخلطة من تفجيرات داخلية من نوع آخر، وحاكتها بشكل حدسي شبه فطري مع قماش البزة العسكرية المرقطة والأنوثة المتصارعة مع ألم الفقد. أليست النساء أولى المقاتلات؟ لكن هنَّ من يبقينَ وحدهن في ساحةِ معركةٍ سقط كل رجالها «شهداء».
لا تنسى لميا أي تفصيل في كادراتها المثقلة بالرموز الصادقة، تحيكها كمن ينسج سجادته الخاصة كحكاية عُمرٍ. لا تقمع إرادة إحدى السيدات بإضافة «البروش» إلى ياقة البزة، أو اختيار أنواع حليهنَّ، تزيِّنَّ بها صرختهنَّ الصامتة. بل تستثمر كل إمكانيات المواد في خدمة صرختها. كما لا تنسى هذه المحامية المصوِّرة أن تبني بدقة متناهية طريقة تقديم/ عرض أعمالها الفوتوغرافية الفنية، فنجد أكثر من 50 عملاً موزعة على ثلاثة جدران، بصفّين على كل حائط: صف مستوٍ في القاعدة، وصفٌّ هرمي في الأعلى يحيلنا تلقائياً على التراتبية العسكرية. تكبر أحجام الصور من 70 × 70 إلى 100 × 100 تماشياً مع منطلق بنيان العرض التصاعدي، تماماً كالصرخة.
تقول أبي اللمع لـ «الأخبار»: «نحن في القعر، في قعر القعر من كل النواحي، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتربوياً!». لميا التي تعايش كل أزمات الوطن، تحكي لنا عن مشاهداتها ولمسها حقيقة الأزمات التي تطال المواطن اللبناني، فهي المنغمسة في وحل الألم تستقي منه معاني معرضها، لا تنثني عن التعبير للحظة عن غضبها.
«في هذا الوطن الممزق الغارق في الفساد والعنف والصراعات الداخلية، حيث أصبح مصطلح المصلحة العامة والوطنية يداس بالاقدام، الحرب في معناها المجازي والحقيقي، دخلت كل البيوت، في المأكل والملبس في الضمان الصحي وكل شيء». صور لميا كلّها داخل البيوت، فالانفجار في الداخل والصرخة في القلب، والألم في الصميم. «البزة العسكرية هنا أيضاً هي الحرب. نعم ببساطة. حتى المرأة هذه الطاقة الأنثوية التي ألبستها البزة المرقطة، ليست سوى حرب! لا ترمز إلا إلى الحرب. لكن ماذا يمكن أن أضيف؟!» تتساءل «أريد أن أبكي».

* «الحقائق المتصارعة»: حتى 5 تشرين الثاني ــ «غاليري تانيت» (مار مخايل) ـ للاستعلام: 01/562812