لم يُرقّص لها التابوت، ولم تُصاحب الأغنيات والزغاريد رحلتها الأخيرة، ولا حلقات التمايل، ولا التفجّع ولا كاميرات التلفزة، فالسيدة وداد (1931 ـــ 2009)، اللبنانية اليهودية (اسمها الحقيقي بهية عوّاد) غادرت بصمت قبل سنوات، بعدما أنهكها المرض، ففاضت روحها الى السماء في أحد المستشفيات اللبنانية، تاركة لنا عبق حضور قديم، وهذا الجذام الفني والرثاثة والغناء المبتذل... هي التي أجابت عن سؤال انفضاض الجمهور عن الطرب، بالقول: «لم يعد الناس يحبون الطرب... بل الضرب». جاء هذا التصريح في آخر إطلالات السيدة الخمرية اللون والصوت، وتحديداً في اللقاء الذي نظّمته «دار المدى» احتفاءً بتجربتها.

حكايات مُستلّة من يوميات حياتها، وأخرى تستدعيها الظنون، ومعها أرّخت وداد لمسيرة غنائية إبداعية، مع ملحنين بارعين. رغم عدم انتشارها، نُسجّل تحيّزاً واضحاً لصوت وداد، لجهة جودة نوعية الأصوات، ورفعتها، وتفرّدها وشجوها.
ثمة في حنجرة وداد ذلك البذل العاطفي، تُحرّكُهُ الفنانة، ثم المرأة العاشقة التي يبين عشقها في صوتها. في صوت وداد لسامعها، ذلك المنعطف الحنون، المغوي، وتلك النقلة في الغناء من العام الى الخاص، ونعني به غناء الحياة اليومية للناس بكل تفاصيلها والتباساتها: العتاب، الدلع، التهديد بالهجر... تفاصيل في قلب المعيش العادي الذي ساد أغنيات الخمسينيات والستينيات، واليه اجتهدت كبيرات وكبار الغناء العربي. وفي صوت وداد، أيضاً، تلك السمة التعبيرية التي تمنح الجملة المُغناة معناها الحقيقي، تُرسلها من حنجرتها خفيضة هامسة، على عادة العاشقين والعاشقات، وتُبطن فيها غواية ودلعاً لا حدود لهما.
في بداياتها، أنهت بهية عواد في لحظة تخلّ رهيب علاقةً فنيةً مفترضة كان يمكن لها أن تغتني بها فنياً وشهرة، بينها وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب، حين بادرت عرضه لها بغناء قديمه بصوتها قائلة: «خليني أفكّر». كانت هذه الجملة التي قالتها قاصمة ونهائية، وقفت حداً شرساً بينها وبين التعامل مع الموسيقار الكبير. أمر ندمت عليه وداد، في ما بعد، ندماً شديداً.

تميّزت بالأعمال الخفيفة وصولاً إلى أغنيات ذات طابع شرقي أصيل

نذهل ونعجب حين نرى أن في رصيد المطربة الراحلة أكثر من ستة آلاف أغنية بقيت خارج الأرشفة وطواها النسيان، فلم تبق في ذاكرتنا سوى «بتندم». للأغنية هذه واقعة يعرفها بعضهم وتتلخص في أن الملحن سامي الصيداوي كان في زيارة لصديقه توفيق الباشا زوج وداد حينها. بعد تناول القهوة، عرض الصيداوي على الباشا الذهاب لرؤية الأصدقاء في المقهى. أمر رفضتهُ وداد ورفضت أن تُترك وحيدة في البيت، غير أن الباشا أصّر على الذهاب فبادرته: «بتندم وحياة عيوني بتندم». من هذه الجملة لمعت الفكرة في رأس الصيداوي ووجد الكلمات مناسبة لأغنية طريفة، هو المشهور بمونولوجاته النقدية، فعمل على صياغة كلمات هذا الحوار الزوجي القصير، ليغدو من أشهر أغنيات الراحلة.
توفيت وداد عن عمر ناهز 78 عاماً أمضتها في معاكسات الظروف وإضاعة الفرص. هي ابنة الموسيقي الحلبي فرج عواد، ووالدتها المغنية الإسكندرانية صالحة المصرية، وشقيقتها نرجس شوقي التي اشتهرت في العراق وغنّت لكبار الملحنين العراقيين. ولدت في تونس سنة 1931 من أبوين يعملان في الفن كما ذكرنا، فكانت حياتها حافلة بالترحال بحكم عمل والديها، واستغلت هذا الترحال لتحقيق حلمها.
تزوجت وداد باكراً من محمد عبده صالح عازف القانون في فرقة أم كلثوم، الذي أغدق عليها الوعود في جعلها نجمة مشهورة (كانت في الـ15من العمر). إلا أنّ رحلة زواجها معه لم تدم طويلاً، نتيجة غيرته الشديدة عليها. بعد استقرار عائلتها في بيروت، تزوجت من الشاعر اللبناني عبد الجليل وهبي، صانع مجد الأغنية اللبنانية، الذي أفادها بخبراته الفنية. من خلاله، تواصلت مع الوسط الفني في لبنان. لم يدم زواجها مع وهبي، فارتبطت بزوجها الثالث الموسيقار اللبناني توفيق الباشا، أحد الأسماء البارزة في التلحين والتوزيع الموسيقي في لبنان والعالم العربي.
مع استقرار عائلتها في بيروت، بدأت وداد في الإذاعة الوطنية اللبنانية، تغني السنباطي وليلى مراد وفايزة أحمد وعبد الحليم حافظ. لحّن لها الباشا أغنيات عدة، كانت حافزاً على طريق شهرتها، وتميزت بالأغنية الخفيفة الى أغنيات ذات طابع شرقي أصيل، إضافة الى استعادة بعض الموشحات بصوتها مثل «لمّا بدا يتثنى». وبصوتها أعادت أيضاً بعض أغنيات سيّد درويش، منها «بصّارة براجة». وكانت أغنياتها تُبَثّ يومياً في الإذاعة اللبنانية.
غنّت وداد برفقة الكبير وديع الصافي، وجالت معه في عديد الحفلات بين بيروت وحلب مردّدةً: «انت وعذولي وزماني» و«يا ناسية يا وعدي». ومن أوائل الأغنيات التي سجلتها بصوتها «في غفوة الأحلام»، و«مرّ الهوى قربي» من ألحان محمد عبد الكريم. كذلك غنّت من ألحان عفيف رضوان: «يا ساكن قلبي»، و«حبيبة الكل»، ولحسن غندور «ألف وردة ووردة»، و«لولا الكلام»، و«يا ليالي الهنا تعالي». وأيضاً لحّن لها زكي ناصيف «في وردة بين الوردات»، وفيلمون وهبي «نجمات الليل جبتلو»، ومن ألحان سامي الصيداوي «يا ناعم»، و«يسلملي الفهم»، «بتندم»، «آه يالموني»، «ألف وردة»، «تصوّر وبعتلي صورة»، «ما فينا نستغني عنك»، «الله عاطيك»، «حلوين هالغمزتين»، «لي حبيب»، الى الكثير من الأغنيات التي بقيت في البال منها الرقيقة «لا قلبي ولا بعرفك» «نام يا خاين نام» و«صبّحتو ما رد».
في عمرها الطري في القاهرة، أمطرت عليها العقود الغنائية، من بليغ حمدي الذي عرض عليها باكورة أعماله، لغنائها الى كبار الملحنين، وصولاً الى العروض السينمائية التي كان يفترض أن تجمعها بكبار الممثلين والممثلات أمثال فريد الأطرش، ومحمد فوزي، وأنور وجدي، مروراً بسيدة الشاشة فاتن حمامة، غير أن والدها رفض هذه العروض وهجم عليها في الاستديو أثناء التصوير وسحبها الى الخارج.
رحلت سيدة إضاعة الفرص بصمت، نتيجة مزاجها وظروف عاندتها، ولم يبق لنا في خوائنا الفني والسياسي والأخلاقي والوجودي، سوى الصبر والسلوان.