المشهد يبدو كالتالي، ممثلة معروفة أو شخصيّة شهيرة تمرّ على السجّادة الحمراء، وفجأة تتعثّر بسبب وجود مجرى مياه يخفيه السجّاد! وفي اللحظة المناسبة، يلتقط مصوّر محترف السقطة كنورس ينقضّ على سمكة. تلك هي العلامة المسجّلة الجديدة لمهرجان "أيّام قرطاج السينمائية"، وما بقي في ذاكرة الآلاف من متابعيه وغير المتابعين.

تعثّر المشاهير فوق السجّادة الحمراء ـــ رغم غزو صور المهرجان وفيديوهاته لشبكات التواصل الاجتماعي ــ لم ينجح في حجب تعثّر إدارة المهرجان في دورته السابعة والعشرين، لجهة المسائل التنظيميّة.
322 فيلماً من عشرين دولة، نجحت في استقطاب أكثر من مئتي ألف مشاهد، لتزدحم القاعات وتمتدّ طوابير اقتطاع التذاكر. أمر دفع العديد من عشّاق الفنّ السابع إلى الاكتفاء ببعض العروض المنتقاة لتجنّب الازدحام الخانق. مشهد يتكرّر منذ سنوات من دون أن تتخذ إدارة المهرجان أي إجراء بشأنه.
لكنّ الازدحام والاكتظاظ والتدافع، لا تتحمّل مسؤوليّتها إدارة المهرجان وحدها، فواقع السينما في تونس يشي بتدهور كبير على المستوى اللوجستي. بعدما كانت البلاد تحوي 95 قاعة سينما غداة الاستقلال (سنة 1956)، تقلّصت اليوم لتصبح أكثر من عشر قاعات احتكرت العاصمة أغلبها، وهذا ما يفسّر الازدحام الشديد، بخاصّة وقد بلغ عدد العروض حوالي ألف.
من ناحية المحتوى، يبدو أنّ القاسم المشترك لأغلب الأفلام المعروضة هو ملامسة الواقع المعيش للمواطن، وتقريب الكاميرا من اليومي. لكنّها تفاوتت في الجوانب التقنية من حيث السيناريو والإضاءة والتصوير والتمثيل، حتى وصل بعضها إلى مستوى الهواة. هذا البون الشاسع، لاحظه النقّاد وتذمّر منه المتابعون، ليطرح السؤال المتكرر حول معايير اختيار الأفلام المشاركة.
يتجلّى ذلك من خلال المقارنة بين فيلمين فائزين بالتانيت الذهبي والبرونزي بحسب النقاد. الأوّل هو "زينب تكره الثلج" (الصورة) للمخرجة التونسية كوثر بن هنيّة الذي اعتبره الناقد خميّس الخيّاطي قيمة فنّية من حيث الإخراج وتقنيات التصوير والسيناريو. يروي الشريط قصّة اقتلاع الفتاة زينب ذات التسع سنوات عن محيطها في تونس ومعاناة التأقلم مع الغربة التي أجبرها عليها انتقال أمّها إلى كندا للعيش فيها. وهناك الفيلم الفلسطيني "3000 ليلة" للمخرجة مي مصري الذي نال التانيت البرونزي ويروي يوميّات سجينة فلسطينيّة في سجون الاحتلال اكتشفت أنّها حامل وأنجبت مولودها في السجن. هذا الفيلم تميز بمستواه الإخراجي والتصويري العالي، إذ اعتمدت المخرجة على رمزيّة الصورة بشكل مكثّف، إلاّ أنّ حبكته الدراميّة خلت من الجدّة بحسب النقّاد، كما كان أداء الممثلين غير مقنع.
ويبدو أنّ منظّمي الدورة حاولوا الحفاظ على خصوصية المهرجان من حيث كونه حاضنة للفيلم الملتزم، فتوّج فيلم القضيّة الفلسطينية لاعتبارات عاطفيّة أكثر منها فنّية، كما رأى بعض النقّاد.
ويعدّ مهرجان أيّام قرطاج السينمائية الذي أسّسه الراحل الطاهر شريعة أقدم تظاهرة سينمائية لدول الجنوب، حيثي يحتفي هذه السنة بعامه الخمسين. وكان إلى وقت غير بعيد منبر الأصوات المغايرة وحاضنة التمايز الثقافي والالتزام بقضايا الشعوب التي بقيت مقصاة من اهتمامات السينما العالمية في محاولة لاستعادة مشعل الريادة السينمائية الذي تخلّت عنه تونس لفائدة مصر، إذ يعدّ فيلم "عين الغزال" للمخرج التونسي ألبير شمامة شكلي (1924) أقدم فيلم عربي طويل.
ولئن شهدت دورات أيّام قرطاج السينمائية بعض الخمول والتردّي خلال الفترة الأخيرة من حكم نظام بن علي، نتيجة إقصاء العشرات من الأفلام الملتزمة، فإن ألق المهرجان الذي نجح الراحل الطاهر شريعة ومن معه في جعله علامة مضيئة في المنطقة وقبلة كبار السينمائيين، عاد بشكل تدريجي بعد الثورة.
هذا الألق، شوّهته مبادرة هيئة المهرجان بتسليم التانيت الذهبي لخمسينية أيام قرطاج السينمائية لرئيس الجمهورية في سابقة هي الأولى من نوعها، مخالفة بذلك الخطّ المستقلّ الذي كرّسه مؤسسو المهرجان وناضلوا لأجل الحفاظ عليه، ليقودها إغراء السجّاد الأحمر إلى سقوط سياسيّ هذه المرّة.