تجهد روان حلاوي في صناعة مسرحها الخاص. الفنانة التي بدأت تخط طريقها المسرحي الخاص، العام الفائت، عبر مونودراما «ثلجتين بليز»، تعود هذه السنة بعمل جديد بعنوان «إنت عمري» في «مترو المدينة» (الحمرا ــ بيروت). تختصر مونودراما «إنت عمري» حكاية التعلّق بالجسد، الجسد الذي يصبح الحكاية والنقطة التي تصل بين كل الأحداث الحاصلة واللاحقة. هي قصّة الراقصة هند، بين علاقتها بجسدها، وصلاتها على المسرح وعلاقتها بالجمهور، وضوابط حياتها الخفية والعابقة بالكثير من التفاصيل اليومية التي قد لا تعني شيئاً لأحد.

في البنية، تستعير حلاوي من القصة المراد حكايتها كثيراً: إنها حكاية الراقصة التي تقترب من الأربعين، ويبدأ الجسد الذي اعتبرته «محرابها المقدّس» بالمرور ضمن لعبة الزمن، ماذا تريد أن تقول لهذا الجسد؟ كيف ستتعامل مع التغيرات التي ستحدث؟ هي تحاول بشتى الوسائل أن تقول هذه الحكاية ضمن تعابير تشبه تعابير الشخصية بحدّ ذاتها، بعيداً عن "روان" الممثلة. هذا الأمر يجهدها في لحظةٍ ما، لكنها تمر في التجربة «بسلام». من جهةٍ أخرى، يخلق وجود روان على المسرح وحيدةً إلا من أكسسوراتٍ وموسيقى، تواصلاً مرغوباً ومحبباً لدى الجمهور، إذ يألف الجمهور مسرحيات المونودراما لأنها جزء من تراث المنطقة (الحكواتي والمؤدي الفردي موجودان منذ القدم في الشرق).

تركّز على ملامح الشخصيّة من تفاصيل الحكاية
أكثر من هذا، لا تقارب الحكاية شخصية الراقصة ضمن المعتقدات والأفكار والكليشيهات السائدة. هذا أمرٌ يحسب لمسرحية روان، لأنّها ببساطة قرّبت شخصية الراقصة من الأنا/ الإنسان أكثر من صورة الراقصة النمطية، المعتادة على الظهور على الشاشات والمسارح.
أدائياً، مسرح روان حلاوي كثيف بكل ما تحويه الكلمة من معنى، يمكن أخذ التعبير لناحية مسرح «شغفي»، لكنه أكثر من هذا بكثير، إذ إنّها تبذل جهداً كبيراً على المسرح. تستهلك طاقتها أكثر من غيرها، والأهم من ذلك أنّها تستهلك جسدها بكل تفاصيله داخل أعمالها. تكفي مشاهدة «علاقتها الصاخبة» مع حبيبها لاستيعاب كميّة الجهد والتأثر اللذين تضعهما في مشهدٍ واحد، أولاً لأنه غير موجود جسدياً، وثانيهما لصخب «الفعل» قبل أي شيء. تأتي مدرسة العمل «الشغفي» متأثرة بجزء من المسرح البريطاني المرتبط أساساً بفكرةmethod actor التي تجعل الممثل جزءاً أساسياً من الدور. هكذا تختفي صفات الممثل لتحل مكانها الشخصية المراد تأديتها (من أبرز الأمثلة على ذلك دانيال داي لويس مثالاً). ليست روان دان داي لويس بالتأكيد، لكنها مختلفة عن المعتاد المسرحي اللبناني. وفي لحظةٍ ما تبدو "أكثر نضجاً وحنكةً" لناحية طبيعة الشخصية والأداء، فضلاً عن أنّها تكتب وتمثّل وتخرج (مساعد مخرج: وسام دالاتي). كل هذا تفعله وحدها وإن كان يعاونها في أمورٍ «لوجستية» كل من: رندا مخول (تصميم وتدريب على الرقص)، لارا نصار (تصميم وتنفيذ إضاءة)، أيمن النوبي وأحمد الخطيب (توليف موسيقي)، تالا النشار وروى حسامي.
بشكلٍ عام، من المهم وجود هذا النوع من المسرح محلياً وعربياً حتى، ذلك أنّه يعبّر بشكلٍ كبير عن الشخصيات الأساسية التي يوردها، متناولاً الجوانب الإنسانية والشخصية منها أكثر من تفاصيل الحكاية، لتصبح الشخصية هي الحكاية لا العكس. أي أننا لا نأتي لمشاهدة حكاية «الراقصة»، بل نأتي لمشاهدة الراقصة بحد ذاتها، وما مشاهد الرقص داخل المسرحية بحد ذاتها إلا تأكيد على الفكرة عينها: إننا نعيش يومها لحظةً بلحظة، مخاوفها، أفراحها، وحتى لحظات انكسارها وجنونها.
باختصار، تنجح روان حلاوي في "إنت عمري" للمرة الثانية في تقديم مسرحيةٍ خارجةٍ عن المعتاد والسائد. تقدّم عملاً مفصّلاً على قياسها وحدها.

«إنت عمري» لروان حلاوي: 21:00 مساء اليوم حتى 16 تشرين الثاني (نوفمبر) ــ «مترو المدينة» (الحمرا ــ بيروت). للاستعلام: 76/309363