رحل الملحّن والشاعر والمغني الكندي ليونارد كوهين (1934 ـ 2016). إسرائيل حزينة. محبّو الموسيقى والشعر حزينون أيضاً، لكن لأسباب مختلفة جذرياً. الدولة المجرمة، الدموية والعنصرية حزينة لخسارة أحد أبرز ملمّعي صورتها أمام العالم. أمّا محبّو الجمال في الشعر والموسيقى، فحزينون لخسارة صانع أغنية عتيق، في رصيده مئات السطور الجميلة التي حكت قصصاً بسيطة في الشكل، عميقة في المضمون، لحّنها بأسلوب بسيط أيضاً، كحِرَفيّ يعمل بهدوء في محترفه المتواضع.

كوهين يهودي مؤمن، وهذا ليس عيباً إلا من منطلق النقد الفلسفي للدين والإيمان عموماً، وهنا يجلس الجميع تحت المجهر، أي المسيحي المؤمن والمسلم المؤمن أيضاً. لكن المشكلة تكمن في أنه وقف مع إسرائيل منذ الستينيات وناصر وغنّى لجيش العدو في حرب 1973 ضدّنا، وأقام العديد من الحفلات في الأراضي المحتلّة، حتى بعدما علت أصوات زملائه من الفنانين الغربيين الذي أصرّوا على مقاطعة إسرائيل ودعوه كي يمتنع عن زيارتها. هذا الموقف لم يقم كوهين حتى بمراجعته في السنوات الأخيرة، والأسوأ أنه غنّى في الدولة العبرية تقريباً بالتزامن مع كُبرى المجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين (آخر حفلة أقامها هناك عام 2009).
النازية لم تمت في 1945، بل هي حيّة من خلال كوهين وأمثاله تحت راية أخرى، حيث حلّت نجمة داود محل الصليب المعقوف. هذا ليس رأياً سياسياً. هذه حقيقة يمكن لأي مراقب موضوعي وعلمي أن يستنتجها، ويمكن أن يكون يهودياً حتى واسمه نعوم تشومسكي أو نورمان فينكلستين.

تاريخ في مجال الأغنية الشعبية المحترمة ونمط الروك الهادئ

لكن السؤال الكبير والمحيِّر هو: كيف يمكن لرجل يتعاطى صناعة الجمال أن يكون مناصراً للظالم؟ هل يمكن للفنان أن يكون غبياً؟ أو ساذجاً؟ هل يمكن أن يصيبه العمى الذي تسبّبه القناعة الدينية الصلبة؟ هل يمكن تضليل الفنان من خلال معلومات خاطئة أو منقوصة (ربما، لكن ليس في عصرنا)؟ ألَمْ يرَ كوهين الأطفال الإسرائيليين يكتبون «قصائد» حقدهم على صواريخ شلّعَت أجساد أطفال ملائكة في لبنان؟ صراحة، لا يهم كثيراً. طبعاً من المهم أن نعرف وأن نفكّر ونحلّل ونبحث لنجد الجواب. لكن ليس الآن. في الحرب لا وقت لمناقشة الأسئلة الكبيرة الشائكة، ونحن في حالة حرب. في الحرب نقاتل. إن لم نقاتل نموت. عندما تنتهي الحرب نفكّر. فإن لم نفكّر نموت.
حسناً، هذا كان الحد الأدنى من واجبنا الإنساني (قبل السياسي وقبل الوطني)، الذي تعلّمنا جزءاً منه من كوهين نفسه.
لكندا أربعة أبناء صنعوا شهرتها ومجدها في مجال الموسيقى، بصرف النظر عن القيمة الفنية لكلّ منهم وعن ذائقة الناس. هؤلاء هم عازف البيانو الكلاسيكي الكبير غلان غولد، عازف البيانو أوسكار بيترسن أسطورة الجاز في القرن العشرين، ليونارد كوهين، وسيلين ديون (رغم الجانب التجاري والخفيف في فنّها الذي يبقى أفضل من جاستن بيبر). أعلِن أول من أمس عن رحيل ابنها الثالث (توفي في السابع من الجاري)، المغني، عازف الغيتار، الشاعر والملحّن الشهير ليونارد كوهين. للرجل تاريخ في مجال الأغنية الشعبية المحترمة ونمط الروك الهادئ والفولك المبني أولاً على الكلمة واللحن البسيط والجميل. لناحية التوزيع، لا يوجد عند كوهين ما يضطر الى الوقوف عنده. معظم أغانيه ــ إن تخطت المرافقة البسيطة على الغيتار ــ لا تتخطى بعض المداخلات للكورس (إحدى العلامات الفارقة في أسلوبه) وللوتريات السابحة في فضاء خلفية الأغنية. بدأ مسيرته في الخمسينيات وآخر ألبوماته صدر الشهر الماضي بعنوان You Want It Darker. ومن ألبوماته المهمّة:Songs of Love and Hate (1971) وI'm Your Man (1988) وThe Future (1992) الذي تلاه فتره انقطاع حتى صدور Ten New Songs عام 2001. عام 2007، تعاون مع المؤلف الموسيقي الأميركي المعاصر فيليب غلاس الذي وضع موسيقى مجموعة شعرية لكوهين بعنوان Book of Longing. في هذا العمل، اتخذت كلمات المغني الشعبي بعداً مختلفاً مع النمط التكراري المينيمالي الذي وضع أسسه واشتهر به غلاس. من جهة ثانية، استعاد فنانون من مختلف العالم أغنيات كوهين الشهيرة، أبرزها طبعاً Hallelujah (جيف باكلي، نِك كايف وغيرهما) وI'm Your Man (استعادة ممتازة لنِك كايف أيضاً، بتوزيع يحاكي الغوسبل). كوهين كان أديباً محترماً أيضاً، أصدر روايات ومجموعات قصائد عدة، إذ كانت غزارته في الكتابة أكبر من أن تستوعبها صناعة الأغنيات. عام 2005، برز اسمه في الإعلام، لكن هذه المرة بسبب تعرّضه للاحتيال من مدير أعماله الذي «سرق» منه مبالغ ضخمة (نحو 5 ملايين دولار أميركي). عام 2008، قام بجولة عالمية بعد غياب عن الجمهور، تحت شعار «الرجوع الكبير» الذي ظهر خلاله كوهين كهلاً تجاوز السبعين، لكنه بدا محافظاً على أناقته وصوته الذي ازداد اختماراً في الطبقات المنخفضة. عاش كوهين بين كندا وأميركا حيث رحل عن 82 عاماً، تاركاً عشرات الأغنيات والأشعار الجميلة… وبعض المواقف الملتبِسَة أو المقزِّزة التي سببت له انتقادات مشروعة من زملائه أولاً، وأدت، بالمناسبة، إلى منع دخول أسطواناته إلى لبنان لفترة خلال التسعينيات!