هناك في حي الورديان في الإسكندرية، ولد محمود عبد العزيز في الرابع من حزيران (يونيو) 1946. في ذلك الحي الشعبي الذي نحت شخصيته على ملامح كل السكندريين من عشاق البحر، عاش الطفل محمود طفولته «بالطول والعرض». كانت عيناه مليئتين بالشقاوة كما روى عنه. وكلما كبر، صار أكثر وسامة.

درس الزراعة وحصل على شهادة الماجستير في تربية النحل. ومن هنا عرف قيمة الاختيار والتأمل، اللذين كانا رفيقي رحلته ومشواره. لماذا النحل دون غيره؟ الإجابة ببساطة لأنّ الشاب خريج كلية الزراعة كان مولعاً بهذا العالم، فمملكة النحل تقدس النظام، ولا يتوانى كل من ينتمي إليها عن العمل والإخلاص والتفاني. كان عبد العزيز يراقب سلوك الملكة واختياراتها عن كثب. لعلّ هذا كان مفتاح شخصية الشاب الوسيم الذي صار واحداً من كبار نجوم السينما المصرية والعربية.
منذ بداياته، كان يتحرك بدأب وإصرار وذكاء منذ اللحظة التي اختاره فيها المخرج نور الدمرداش لدور صغير في مسلسل «الدوامة» مع محمود ياسين ونيللي. توقع الجميع للفتى ذي العينين الملونتين والشعر الأشقر، أن يكتسح «جانات» السينما في ذاك الوقت، ويقف بجوار حسين فهمي، ونور الشريف وغيرهما من النجوم الذين كانوا يتصدرون المشهد السينمائي في ذلك الوقت. بالفعل، تبنّاه المنتج رمسيس نجيب الذي وجد فيه مشروع نجم مستقبلي يتمتع بملامح خاصة. هكذا، قدّمه في بطولة فيلم «حتى آخر العمر» (1975) مع نجوى إبراهيم وعمر خورشيد، عندما جسد دور طيّار أصيب بالشلل في معركة حربية.
بعدها، قدم عدداً من الأدوار التي تتسق مع وسامته ذات الملامح الأرستقراطية. هو وحده كان يعلم أن بداخله طاقات تمثيلية لم يكتشفها أحد، وأنه تركيبة مغايرة تماماً لكل النجوم على الساحة. صحيح أنّه كان صاحب ملامح أرستقراطية، إلا أن تركيبته النفسية شعبية وأصيلة جداً، تحمل تلك الخفة وسرعة البديهة التي تميز ولاد البلد. جانب لم يره رمسيس نجيب في الـ«جان» محمود عبد العزيز، الذي تربع على عرش الأدوار الرومانسية، وصار لقبه في تلك المرحلة «الشاب الحليوة أبو دم خفيف».

تجربته الأهم كانت مع
رأفت الميهي في مرحلة
الفارس والفانتازيا

لكنّ عبد العزيز ظلّ متيقناً بأنّ اللحظة المناسبة ستأتي وسيخرج من عباءة الفتى الوسيم. في غضون ستّ سنوات فقط، أدّى بطولة 25 فيلماً بأدوار ارتبطت بالشباب والرومانسية والحب والمغامرات. لكن منذ عام 1982، بدأ التنويع في أدواره، إذ قدّم فيلم «العار» الذي رسّخ نجوميته، إذ اختاره المخرج علي عبد الخالق لأداء دور الطبيب ضعيف الشخصية. بعدها، انطلق عبد العزيز، وأصبح تركيبة فريدة لا تشبه أحداً، يلعب في منطقة خاصة جداً من الأداء التمثيلي العميق والممزوج بخفة الدم التي تفجر الضحك، إضافة إلى القدرة على الغناء وتأدية ألوان مختلفة. نوّع أكثر في أدواره، فقدم شخصية الأب في «العذراء والشعر الأبيض» (1983)، وأيضاً في فيلم «تزوير في أوراق رسمية» (1984)، ثم دور عميل المخابرات المصرية والجاسوس في فيلم «إعدام ميت» (1985). وقدم شخصيات جديدة في «الصعاليك» (1985) و«الكيف» (1985) الذي حظي بنجاح جماهيري كبير، وصار بخفته يمثل تهديداً لكبار الكوميديانات، وباتت «إيفيهات» أفلامه الأكثر تداولاً، خصوصاً أنّه مع كل دور جديد، كان يحلّق عالياً في سماء النجومية.
ذكاء محمود جعله يدرك منذ أولى خطواته الفنية، أن سرّ النجاح يكمن في الصدق، وأنه كفنان عليه أن يقنع الناس والمشاهد بأن ما يقدمه حقيقي، وأن يجعل المشاهد ينسى تماماً شخصيته الحقيقية، ويتماهى مع الشخصية التى يقدمها، ويعمل جيداً على خلق وصياغة تفاصيل لا تنسى لكل شخصية يقدمها. من يراه في «العار» بتركيبة الطبيب النفسي المريض والمصدوم بوالده، لن يصدق أنّه الممثل نفسه في فيلم «الكيف» مثلاً.
وقد يكون من الفنانين القلائل الذين أدركوا أهمية الاختيار، فهو لم يقدم أفلاماً بمنطق الانتشار، بل يمكن بسهولة أن نقسم مشواره الفني إلى مراحل: مرحلة الجان اللطيف، ومرحلة الأفلام السوبر كوميدي التي حققت له جماهيرية عريضة وشعبية واسعة، ومرحلة الدراما والتألق في أفلام درامية تحمل طابعاً ملحمياً مثل «البريء»، و«الدنيا على جناح يمامة»، ومرحلة الفارس والفانتازيا في تجربته المهمة التي تدرَّس مع رأفت الميهي. قدما معاً مجموعة من أهم أفلام الفانتازيا في تاريخ السينما مثل «السادة الرجال» و«سيداتي آنساتي» و«سمك لبن تمر هندي».
عاشق التمثيل والمخلص في مهنته، ظل طوال مشواره يتعامل مع الفن بمنطق «الأسطى» صاحب الحرفة المميزة، التي لا يعرف سرها غيره. لذلك كان ينسج دوماً أدواره بتلك الروح، ففي كل قطعة يضع بصمته الخاصة، ومع كل خطوة كان يصنع أسطورته ويتجلى.
محمود عبد العزيز قيمة كبيرة في السينما المصرية، موهبته تبدأ من اختيار الموضوع وحرصه على عملية الاختيار وعدم تكرار الشخصيات التي يلعبها. وهذا وحده كان أكبر ضمان لاستمرار نجوميته، فهو لم يستهلك نفسه أبداً، ولم يكن لديه مانع بأن يظلّ في منزله عاماً أو اثنين أو حتى أكثر، طالما أنّه لم يجد الدور أو الشخصية التي يحبّها ليقدمها. كان يمتلك قدرة كبيرة على التطور والدخول في مناطق تمثيلية ربما لا يكون مصنفاً فيها، فهو دائماً قادر على إدهاش متابعيه ومشاهديه، فدور الشيخ حسني الكفيف في «الكيت كات» سجّل ذروة التجلي لموهبته... تلك الشخصية حوّلها عبد العزيز إلى واحدة من الأيقونات الخالدة في تاريخ الفن العربي. عن شخصية الشيخ حسني، قال في تصريحات صحافية: «هناك أنواع كثيرة من فقدان البصر قمت بدراستها، فهناك من ولد فاقداً للبصر، وهناك من فقد البصر فى مرحلة عمرية معينة. تعلمت هذا من أطباء العيون، تجولت في الشارع ورأيت معطفاً أمسكت به وقلت «هذا هو» لأنه يناسب الشخصية، فالمعطف فيه بقعة في منطقة الرقبة، وهو يناسب تركيبة شخص فاقد للبصر، فلا يخلو الأمر من وقوع بقايا طعام على رقبته وصدره».
واصل سحره وتألقه في الدراما التلفزيونية أيضاً، عندما قدم دور رأفت الهجان في أحد أنجح وأهم أدواره. وعنه، قال في أحد حواراته الصحافية: «حينما قرأت ورق «رأفت الهجان»، ذهبت إلى المخابرات العامة، وأخذت منها ملفاً فيه الأوراق الشخصية لهذا البطل وصوراً له في مختلف مراحله العمرية، وأحضرت المجلات والصحف التي صدرت في تلك المرحلة الزمنية وشاهدت فيها طريقة تصفيف الشعر والملابس التي كان يرتديها كل من عاش هذه الفترة، خاصة أن رأفت الهجان كان شديد الأناقة. إلا أنّ مفتاح الشخصية بالنسبة إليّ كان في جملة قرأتها في أوراق المخابرات العامة المصرية عنه وهي بالعامية المصرية «بيتكعبل في النسوان». بالنسبة إليّ، هذه الجملة شديدة الثراء في التمثيل، جعلتني أصيغ تفاصيل الهجان من منطقة خاصة جداً، مما أعطى الشخصية كل هذا السحر».
محمود عبد العزيز نجم صنع أسطورته الخاصة، وكلما تقدم به العمر كان يزداداً بريقاً ولمعاناً، وسيظل حالة فريدة في تاريخ الفن العربي.