في رائعة «الزير سالم» (2000 – تأليف ممدوح عدوان، وإخراج حاتم علي)، يصل خبر مقتل «كليب» إلى الزير، فيصرخ غير مصدّق: «أكليب كلّه مات؟». لا أفضل من تعليق كهذا على فاجعة رحيل العملاق المصري: «محمود عبد العزيز كلّه مات؟». ذلك أنّ «الساحر» أو «زوربا المصري» أو «صانع البهجة» أو «النمس» ليس بالممثّل الذي يمكن تعويضه. هو من تلك القماشة النادرة التي صنعت نجيب الريحاني وأحمد زكي ويحيى الفخراني، مع تفرّد كلّ منهم في التفاصيل. المشخصاتي المدهش يشعرك أنّه جايمس دين في البدايات، ثمّ آل باتشينو في توهّج الثمانينات وبداية التسعينات، قبل أن يصير جاك نيكلسون بنظاراته السوداء، التي ظلّ يرتديها بسبب حساسية الضوء ومشاكل النظر. من لم يتأثّر بخبر انطفائه؟ أثره الوجداني العميق منحه طريقاً مباشراً إلى قلوب الجميع. أداء رفيع. حضور طاغٍ. وسامة محبّبة. عينان آسرتان. ابتسامة ساحرة. حسّ عفوي. خفّة دم لا تعرف الافتعال.
«الكيف» مدرسة أزليّة في الضحك العربي

محمود عبد العزيز مذهل في القدرة على التلوّن والتجدّد، من دون فذلكة ولا تعقيد. آمن بشدّة أنّ الورق المتماسك أصعب ما في الأمر. ثابر في البحث عن وصفته المضمونة للفيلم الناجح: المتعة والبهجة ومخاطبة الوجدان وحبّ الحياة والتنوير. رفض المساومة ولعب أدوار لا تحقّق المعادلة، حتى لو كلّفه ذلك الابتعاد لسنوات. بعد العثور على الشخصية، يجيء أوان التحليل والأنسنة وإيجاد المفاتيح. فهم التمثيل على أنّه الناتج النهائي لعجن الحياة، والاحتكاك بالأسفلت، ودراسة تفاصيل الحس والمادة. أدرك أنّ العمق في البساطة والمعايشة. حقّق السهل الممتنع، مستنداً إلى موهبة شديدة الجمال والأصالة. حافظ على شغف البدايات وقلق التجارب الأولى، حتى آخر المشوار في مسلسل «راس الغول» (تأليف وائل حمدي وشريف بدر الدين، وإخراج أحمد سمير فرج).
النشوء في حيّ «الورديان» بالإسكندرية علّمه الجلد، والإصرار على التحقق. مثل عادل إمام وسمير غانم، درس في كليّة الزراعة، مسجّلاً حضوراً لافتاً على خشبة المسرح الجامعي (لا ننسى أنّ يحيى الفخراني خرّيج طب، وسعيد صالح حائز شهادة في الآداب). انتقل إلى القاهرة عام 1973، إلا أنّه بقي إسكندراني الهوى. هو الذي صرخ على شاطئها في مسلسل «محمود المصري» (2004 – تأليف مدحت العدل، وإخراج مجدي أبو عميرة): «بحبّك يا بنت الذين. بحبّك أوي». بدأ بأجر 4 جنيهات في مسلسل «الدوّامة» (1973 – إخراج نور الدمرداش). حطّ على كوكب السينما من خلال «الحفيد» (1974) لعاطف سالم بدور زوج الأخت الوسيم، فتنبأت الناقدة إيريس نظمي أنّه فتى الشاشة القادم. حلم بلقاء المنتج رمسيس نجيب، الذي لم يتأخّر في طلبه ومنحه بطولة «حتى آخر العمر» (1975) لأشرف فهمي. في تلك المرحلة، سجنه المخرجون ضمن خيار «الفتى الوسيم» العاشق أو المغامر. عمل تحت إدارة أسماء مثل حلمي رفلة وحسن يوسف وحسام الدين مصطفى وسيد طنطاوي وهنري بركات وزكي صالح وأحمد يحيى وأحمد السبعاوي وسعد عرفة. لا اختراق يُذكَر، باستثناء شغله إلى سعاد حسني في «شفيقة ومتولي» (1978) لعلي بدرخان، و«المتوحشة» (1979) لسمير سيف. مع شعوره بالتأطير، راح عبد العزيز يبحث عن أدوار أكثر عمقاً وتنوّعاً، مستغلاً ما ثبّته من شهرة ومكانة. أدرك طبيعة معدنه وجودة مخزونه. صرخ أنّ بداخله كوميدياناً لا يشقّ له غبار. جاء الإنقاذ عبر تحفة «العار» (1982) لعلي عبد الخالق، بعد رفض يحيى الفخراني لدور طبيب الأمراض العصبيّة، إلى جانب نور الشريف وحسين فهمي (قدّم معهما أيضاً «جري الوحوش» لعلي عبد الخالق عام 1987). من ينسى الختام المأساوي بانفجاره الهستيري على القارب: «الملاحة والملاحة وحبيبتي ملو الطرّاحة»؟ أخيراً، فكّت العقدة، وفتحت مغارة علي بابا. انهمك في نشاط محموم، دافناً صورته النمطية إلى الأبد. أخرج أحلى ما لديه تحت إدارة حسن الإمام ومحمد خان وحسين كمال ومدحت السباعي وإيناس الدغيدي وعمر عبد العزيز ويحيى العلمي ورأفت الميهي وعاطف الطيب وداود عبد السيد. حلّق إلى فضاءات أعلى، منوّعاً بين كوميديا الرومانس والواقعية الجديدة. كثيراً ما برهن عن اقتدار كوميدي، من دون تهريج أو افتعال. «الكيف» (1985) لعلي عبد الخالق مدرسة أزليّة في الضحك العربي. إيفيهات من قبيل «بحبك يا ستموني مهما النّاس لاموني»، و«ادّيني في الهايف وأنا أحبك يا ننس» مغروسة في الذاكرة. في «الكيت كات» (1991) لداود عبد السيّد، بلغ ذروةً لا تُنسى، لاعباً «الشيخ حسني» ببهاء وفرادة. هو البلبل الذي «غنّى وغنّى على ورق الفلّة»، كما أهداه سيّد مكاوي. هذا التجلّي الأسمى للممثّل، في مستوى لم يبلغه سوى صديقه أحمد زكي (حققا معاً شريطاً خلّاباً هو «البريء» لعاطف الطيب عام 1986، إلى جانب عناوين أخرى). حتى الأدوار الأقل شهرة، أدلّة أخرى على حنكته المتزايدة. في أوائل التسعينات، أنهى «القبطان» مرحلة حافلةً بزلزال تلفزيوني، هو ثلاثية «رأفت الهجان» (تأليف صالح مرسي، وإخراج يحيى العلمي). ألهب مشاعر الجمهور العربي، بسيرة تحبس الأنفاس للجاسوس المصري المزروع في كيان الاحتلال. خبير هو بعالم المخابرات وعمليات التجسس. «إعدام ميت» (1985) لعلي عبد الخالق، و«فخ الجواسيس» (1992) لأشرف فهمي مثالان على ذلك. بعدها، عمل في تجارب متفاوتة، لم تفتقد إلى إخلاصه المعتاد. تألّق في «الساحر» (2001) لرضوان الكاشف، فاكتسب لقبه الفنيّ الأشهر.
مع الألفية الجديدة، سيطرت موجة «السينما النظيفة» وأفلام الشباب وما إلى ذلك من متغيّرات. وقف محمود عبد العزيز متأمّلاً ما يحصل. رأى أنّ الوضع «مش مزبّط». الفن مرآة لما يحصل من انحدار في السوية والذائقة. هذه دورة حياة السينما التي اعتادها، ولكن لا بدّ من ظهور فيلم جيّد مهما قست الظروف. عناده الفنيّ، وحرصه على عدم الانزلاق، كلّفاه سبع سنوات من الانقطاع، حقق خلالها «محمود المصري» في التلفزيون. شركة good news تمكّنت من إعادته إلى صالات العرض بـ «ليلة البيبي دول» (2008) لعادل أديب، و«إبراهيم الأبيض» (2009) لمروان حامد. هنا، تفوّق على نفسه بشخصية «عبد الملك زرزور» رغم مساحتها المحدودة. أنجز تكاملاً مثالياً بين الفيزيك والحس الداخلي، بين شراسة بارون المخدّرات الشعبي وانكسار العاشق الكهل. قال «دي دخلة إنّك لميّت وإنّهم لميّتون»، و«الجرأة حلوة مفيش كلام»، فابتلع الفيلم بمن فيه. كان ختام المسك، إذ لم يقدّم فيلماً بعده. في السنوات الأخيرة، دار حديث جديّ عن مشروع لم ينفّذ، بعنوان «أوضتين وصالة» لشريف البنداري. كذلك، أبدى رغبته في لعب شخصية إسلامية تعبّر عن الوجه الحقيقي للدين، إضافةً إلى حلمه بالعودة إلى المسرح. غريب أنّ صنّاع السينما المصريّة لم يستغلّوا نضجه اللامتناهي، فركن إلى دراما رمضان.
محمود عبد العزيز طفل منذور للعب والانعتاق. أجاد البوح بتلقائية فريدة. تجنّب استعمال كلمات مثل الكره والموت في كلامه. نادراً ما تحدّث للصحافة، مفضّلاً التكريم والندوات العامّة. التقيناه في مهرجان دمشق السينمائي عندما كان يحضّر لـ «إبراهيم الأبيض»، فحدّثنا عنه بحماس الوجوه الجديدة. كان حريصاً على حضور الأفلام المصريّة وتشجيع أصحابها، وارتياد النادي الرياضي في فندق الشام عصر كلّ يوم. بشجن أليم، قال لـ «عم مجاهد» في «الكيت كات»: «بضحك، وأغنّي في قعدة حلوة.. لغاية ما أموت». نعم، فعلها «الجنتل» قبل أن يرحل «على جناح يمامة». وداعاً.