هل مات محمود عبد العزيز فعلاً؟ الأمر لا يتعلّق بالمراثي بقدر ما هو إعادة توصيف ضرورية لشخصية فانتازية لطالما رفضت أن تندحر إلى الخلف رغم تراكم عناوين الأفلام اللاحقة. ذلك أنّ شخصية الشيخ حسني التي لعبها هذا الممثل بمهارة استثنائية في فيلم «الكيت كات»، عصية على النسيان أو التجاهل، كأننا نشاهدها للمرة الأولى في الإعادات المتكرّرة للفيلم على الشاشات، أو أننا نكتشف ثراء هذه الشخصية وقدرتها على العيش في الواجهة رغم هامشيتها في الحياة بقوة عمل الفانتازيا بطاقتها القصوى. كان الراحل إبراهيم أصلان قد كتب سيرة هذا الشيخ الضرير في روايته البديعة «مالك الحزين» (1981) كواحدة من سير أخرى يعرف حيوات أصحابها عن كثب، في حي إمبابة الشعبي. لكنه أضفى عليها بعداً تخييلاً وضعها في مهبّ الكوميديا السوداء، ثم أتى داود عبد السيد ليخلخل البنية السردية للنص الروائي، ويقتنص بعداً فلسفياً لمعنى البصر والبصيرة. في الرواية، يورد إبراهيم أصلان تفصيلاً جانبياً للغرفة يتعلّق بلوحة مرسومة بالأبيض والأسود شبه تالفة بتوقيع بابلو بيكاسو عن فارس هزيل وتابعه، في إشارة إلى شخصية دون كيخوته، لكن داود عبد السيد سيصنع منها نسخة أصلية ويمنحها للشيخ حسني، معتبراً إياه دون كيخوته آخر في معاندته للقدر... لتأتي الأغنية التي يؤديها بصحبة ابنه يوسف عن «حصان الخيال» علامة إضافية على صناعة البهجة (لحّن الأغنية موسيقي ضرير آخر هو سيد مكاوي)، رغم العواصف التي تعبث بمصير الأب والابن.
الشيخ حسني دون كيخوته آخر في معاندته للقدر


هكذا تراكمت ثلاث طبقات فوق قماشة السرد التخييلي في تظهير شخصية الأعمى عمل عليها (الروائي والممثل والمخرج) في خلطة عجائبية لن تتكرّر بسهولة في أرشيف السينما المصرية. مغامرة داود عبد السيد إذاً، تتجلى في اكتشافه هذه الرواية الصغيرة أولاً، واختياره محمود عبد العزيز دون سواه ثانياً، لقناعته بقدرة هذا الممثل على تجسيد هذه الشخصية الصعبة، وسحبه من بساط الرومانسية نحو منطقة الأداء الحرّ التي تتطلّب أن يعمل كممثل لا كنجم شبّاك يعتمد وسامته وحسب. على المقلب الآخر، سنقع في الحيرة لجهة أكثر المشاهد ثراءً في الشريط، نظراً لتنويعات اللعب التي فرضتها عشوائية المكان بعشوائية موازية في سلوكيات الشخصية وشغفها بالمغامرة وعدم اعترافها بعاهتها.
كان دون كيخوته ضحية كتب الفروسية التي أشعلت خياله في القيام بمغامرته المجنونة، فيما سيلجأ بطلنا إلى تعاطي الحشيش لإيقاد مخيلته بمغامرات صاخبة. لا حصان لفارسنا المعاصر، لذلك سيحقّق رغبته بامتطاء دراجة ناريّة ستخترق السوق الشعبي إلى أن ترتطم بأقفاص الدجاج، في دلالة صريحة على توق الشيخ حسني تحطيم القفص والتحليق عالياً غير عابئ بالخسران. مشهد الميكرفون المفتوح سهواً، على صوت الشيخ حسني وهو يروي لأصدقائه ما يدور سراً في الحي، سيفضح الجميع بما فيهم ابنه يوسف وعلاقته مع فاطمة، على أن مغامرته الأعمق سنجدها في ذهابه إلى السينما بصحبة شيخ ضرير آخر لا يعلم أن مرافقه أعمى أيضاً، وكيف يقنعه باختراع سيناريو آخر للفيلم وسط دهشة المتفرجين في المقاعد المجاورة. وسترتفع وتيرة الفانتازيا إلى مرتبة أعلى بمرافقة الشيخ نفسه في رحلة نهرية قبل أن ينقلب المركب بهما. هذا التوق إلى العناد لن يتوقف إلى نهاية رحلته على دراجة نارية بين العربات المسرعة في شوارع القاهرة إلى أن تقذف به إلى نهر النيل برفقة ابنه الذي يحاول عبثاً إقناع أبيه بأنه أعمى.
«مالك الحزين» يقف على ساق واحدة متفرّجاً على المستنقع من دون أن يعترف بمحنته وبأنه يحارب طواحين الهواء برمحٍ مكسور وحاسة معطوبة. سيكرّر محمود عبد العزيز التجربة بفضاء سردي آخر لا يقل أهمية عن دوره في «الكيت كات»، كما في فيلم «الساحر» (2001) مع المخرج الراحل رضوان الكاشف. هنا سيتوغل الممثل في متاهة بصرية أخرى، تبدو كما لو أنها تتمة لشخصية الأعمى في «الكيت كات»، ذلك أن «منصور بهجت» يتكفّل هذه المرّة بتعميم «نظرية البهجة» على محيط غارق في الاكتئاب.