تلك الصور التي نشاهدها في طفولتنا، الصور الأولى، لا تغادرنا أبداً. تبقى تطاردنا في كل شيء نراه أو مع صاحب تلك الصورة على وجه الخصوص.

وأول من أمس، حين سمعت بخبر رحيل محمود عبد العزيز، استرجعت ذاكرتي على الفور تلك الصورة الأولى التي شاهدتها له في فيلم «فقراء لا يدخلون الجنة» (سيناريو واخراج مدحت السباعي ـــ 1984). في طفولتي، وكنّا فقراء وبالكاد أنجح في الحصول على قيمة تذكرة سينما. ريالان فقط. لكنّ كنا فقراء إلى درجة ظهور هذا المبلغ على هيئة ثروة مستحيلة لمن هم في مثل حالتي. ومع ذلك، كنت أنجح في الحصول عليه. أبيع جرائد أو مياهاً مثلّجة أو أقوم بخدمة سيدة ثرية تسكن لوحدها في بيت يجاور بيتنا، وكانت بحاجة لمن يقوم بخدمتها عن طريق مساعدتها في شراء حاجيات وأحتفظ بالمال الذي كان يبقى وأذهب به إلى السينما، في تلك الأيام الجميلة التي كان في صنعاء دور كثيرة للسينما.
في يوم عرض «فقراء لا يدخلون الجنة»، حضرت متأخراً ولم أشاهده إلا من منتصفه. لقيت صعوبة يومها في الحصول على "الريالين". وصلت على مشهد البطل وهو يقوم بتنظيف أحد المراحيض وقد أضطر لهذا (سأعرف هذا بعد تمكني من مشاهدة الفيلم من بدايته في مرة أخرى)، كي يتمكن من توفير مبلغ ما لصديقته (آثار الحكيم) لتنجح في تسديد فواتير إيجار المنزل المتراكمة عليها. لقد أجبره حبه على فعل ذلك. وهو قام بذلك في وقت كانت هي فيه قد بدأت سيرها على طريق الخيانة والانتقال من حضن رجل إلى آخر. أُجبرت على هذا في أول مرّة لكنّها خضعت عن طيب خاطر في المّرات التالية.
وفي الحقيقة، لن تبقى في ذاكرتي فقط صورة عبد العزيز في حالته المُهينة تلك وهو يقوم بوضع قلبه في الإهانة من أجل رضى المحبوبة، لكن ستبقى صور أخرى من الفيلم كلّه. صور كثيرة ستقول في مجملها بحالة العبث التي احترف بطل "رأفت الهجان" في تقديمها على نحو لم يكن يقدر عليها سواه. تلك القدرة على قول أصعب الأشياء بأبسط العبارات وأقدرها في لمس وعي الناس العاديين.
بداية من حالة الجنون التي ستحكم نهاية الفيلم بعد قيامه بقتل إحدى شخصيات "فقراء"، الحالة نفسها التي ستبدو في "البحر بيضحك ليه" وبأنها الطريقة الوحيدة التي ينبغي للواحد أن يسير عليها في تعامله مع الحياة. حالة الجنون التي ستكون أيضاً في "جري الوحوش" كنتيجة طبيعية للكائن الراغب في تجاوز المستحيل والتفوق عليه. إلى كل هذا حالة الجنون في فيلم"الكيف" التي كانت تبدو في تلك الأغنيات الشعبية التي ازدحم بها الفيلم وصارت شعارات يتم تناقلها إلى اليوم للتدليل على حياة العبث التي صارت إليها الحياة نفسها مثال "احنا اللى خلينا الشكرمون طاخ فى الترالوللى" و"احنا بالصلاة ع النبى حلوين قوى مع بعض،لكن ساعة الغلط بنطرطش زلط، يعنى لحمنا جملى مكندز مانتكالش، وان اتكالنا عضمنا ركب ماننقرش، وان انقرشنا نشرخ فى الزور وماننبلعش". أمّا العبارة الأشهر حين قال "بحبك يا ستموني، مهما الناس لاموني". وهي العبارات التي جاءت من تحتها أغنيات كثيرة لن يكون من اليسير حصرها قامت بتشكيل موجة أغاني الميكروباصات والكاسيتات التي تتم عملية انتاجها من كتابة وتلحين وتنفيذ، في جلسة تحشيش واحدة.
وبعد كل هذا أعود:
عندما كان البطل يحاول مساعدة حبيبة قلبه على تجاوز سقوطها في الخيانة، في ذلك الفيلم، كنت أنا أحاول بكل طاقتي الحصول على مبلغ ريالين كي أتمكن من اللحاق لمشاهدة لفيلم من أوله. ولم أنجح. مع ذلك ما زلت أغنيّ، كلما ظهرت صورة محمود عبد العزيز أمامي " بحبك يا ستموني، مهما الناس لاموني ".