كُثر مروا من هنا، ودخلوا دائرة النسيان بمجرد غيابهم، غير أنّ هناك قلة قليلة ظلت باقية، فخلدت إلى الأبد. لم يبق هؤلاء من فراغ، وإنما حازوا تلك الميزة غير الطبيعية، لأنهم أناس مختلفون.

محمود عبد العزيز واحد من هؤلاء الذين لن ينتهي ذكرهم، برحيلهم عن عالمنا. فالساحر خلق عالمه لنفسه، ولن يستطيع أحد إبعاده عنه. هذا الشاب السكندري، بكل ما تحمله تلك المدينة الساحلية من ميزات، وثقافات، اختاره المخرجون في البداية لمجرد أنه شاب وسيم، يناسب سينما السبعينات. لكن لأنه يملك مخزوناً كبيراً من الإبداع، صار هو محمود عبد العزيز، الذي قدّم أعمالاً مميزة للسينما والتلفزيون والمسرح، جعلته بالفعل واحداً من أعلام الفن المصري، يتعاون مع أعظم المخرجين الذين عاصرهم على اختلاف توجهاتهم الفنية.
عندما قرّر محمود عبد العزيز مغادرة حيّ الورديان التاريخي في الاسكندرية، والمجيء إلى العاصمة، كان في ذهنه هدف واحد: الخلود، فبدأ مشواره السينمائي عام 1974 بالمشاركة في واحدة من كلاسيكيات السينما المصرية، فيلم «الحفيد» (إخراج عاطف سالم). هذه المشاركة كانت نقلة في حياته، إذ حصل بعدها بعام واحد، على بطولة فيلم «حتى آخر العمر» وانطلق من هذا التاريخ في طريقه الطويل، إذ اصبح يشارك في أكثر من عمل في العام الواحد. غير أن بدايته الفعلية كانت مع دوره فيلم «العار» (1982).
لم يكن محمود عبد العزيز وحده على الساحة الفنية، لكنه كان يملك أسلوباً مختلفاً عن الآخرين. لذلك، كان ما يقدمه من فن مختلفاً عن كل ما كان يقدم في تلك الفترة، وابتدع طريقة في التشخيص لم يسبقه إليها أحد.
ولعل من بين ما جعل محمود عبد العزيز في تلك القيمة، هي روح المغامرة التي تصيب سكّان المدن الساحلية، لمرافقتهم البحر في أوقات كثيرة. هكذا، رفض التقليد، وعشق التجريب، لذا كان من الطبيعي أن يجرب مع مخرج كداود عبد السيد، الذي ينتمي إلى مدرسة أقرب إلى الواقعية، وكان من الطبيعي أن يوضع العملان اللذان تعاون فيهما عبد العزيز، وعبد السيد، في لائحة أفضل مئة فيلم عربي في تاريخ السينما العربية. وهما فيلما «الكيت كات»، و«الصعاليك»، وهذا الأخير كان العمل الروائي الأول لدواد عبد السيد.
لم يغلق محمود عبد العزيز بابه على تلك التجربة، فلديه الكثير ليجود به، وهو الفنان الذي يحمل قدراً من الإبداع، وبالتالي بعضاً من الجنون والعبثية. ومع المخرج الكبير رأفت الميهي، وجد ضالته، فسينما الميهي اتخذت طابع الفانتازيا، أو «سينما المسخرة»، ومعه فعلا تلك المسخرة، في «السادة الرجال» (1987)، و«سمك.. لبن.. تمر هندي» (1988)، و«سيداتي آنساتي» (1989). وفي كل واحد من هذه الأعمال، كان الميهي وعبد العزيز يقدمان وجبة دسمة من سينما المسخرة، التي تكشف عبثية المجتمع، وثقافته الذكورية، خاصة في فيلم «سيداتي آنساتي» الذي طرح فكرة عامة مفادها: ماذا لو تبادل الرجل والمرأة الأدوار في الحياة، فهل سيتحمل الرجل ما تتعرض له المرأة من مسؤوليات، وإهانات؟
مرت السنون، ونضجت موهبة محمود عبد العزيز، لكنه لم يتخلَّ عن رغبته في التجريب، فقرّر المغامرة في تجربة مختلفة مع المخرج رضوان الكاشف في فيلم «الساحر» (2001). تلك الحالة من الشبق الفني، جعلت محمود عبد العزيز يلعب في منطقة بعيدة عن أبناء جيله، فتغلّب على أغلبهم كونه أصبح فناناً شعبياً بامتياز. لذا كان من الطبيعي أن يحزن الجميع على رحيله. فور الإعلان الرسمي، تحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى سرادقات عزاء كبيرة. الجميع في الحقيقة كان يعزي نفسه، ويعزي مرحلة هامة في التاريخ الفني. يعزي الشيخ حسني في «الكيت كات»، ومنصور بهجت في «الساحر»، وأغنية «الكيمي كيمي كا» في «الكيف»، وعبد الملك زرزور في آخر أفلامه «إبراهيم الأبيض» (2009). في كل هذه الأفلام وغيرها، كانت لمحمود عبد العزيز جملة تحولت إلى «قفشة» يستخدمها المصريون في حياتهم اليومية. ورغم مرور سنوات كثيرة على تلك الأفلام، إلا أنّك من المعتاد أن تسمع في حوارات المصريين جملاً كـ «أنت بتستعماني يا هرم»، أو «بحبك ياستموني مهما الناس لاموني». وعند السخرية من أحد، ستجد من يقول للآخر: «أنت صميم يا عربي». وفي المشاجرات الشعبية، ستسمع من يقول «حد ليه شوق في حاجة؟». وفي الشوارع ستجد من يكتب على خلفية سيارته الأجرة «ده احنا كسيبة ومخلصين وبنطلع القرش من بذر العنب»، وكل ما سبق هي جمل نطقها محمود عبد العزيز في أفلامه، والتصقت بالذاكرة الشعبية.
لذا ودع الجميع محمود عبد العزيز بحفاوة، وتمجيد لأعماله وجمله. وداع يؤكد أنّ هذا فنان تجاوز القوانين الطبيعية، فهو لن يموت ولن يصبح مجرد ذكرى، بل سيكون حاضراً بقوة، سنجده في المستقبل، بـ«قفشاته»، وتعابير وجهه وجسمه، التي ستبقى لأنها صالحة لكل زمان ومكان، وهذه روعة وإبداع، فنان كبير كمحمود عبد العزيز.